حِجاب "ميسون" والباحثون عن الله

تم نشره في الجمعة 30 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

د. نارت قاخون

انشغل عدد من روّاد الفضاء العنكبوتيّ في الآونة الأخيرة بقضية "ميسون" ابنة الدكتور طارق السويدان، وسؤال "الحجاب والبحث عن الله". فكان من الملاحظ أنّ قضيّة "الحجاب" أثارت من الجدل والخلاف أكثر ممّا أثارته قضيّة "البحث عن الله"، وهذا أمرٌ متوقّع في الخبرة الإنسانيّة عموماً؛ فالقضايا التي يظهر أثرها في فضاء الشّهود البصريّ الشّكليّ تكون أكثر إثارة وجدلاً من القضايا التي يُمكن أن تتوارى في تلافيف الوعي والفكر والقناعات العقليّة، فالقناعات الفكريّة يُمكن أن تظلّ حبيسة صاحبها لا تتجاوز فكره وذوقه ما لم يعبّر عن رأيه أو يصرّح به، بينما القضايا الظاهريّة الشّكليّة تتحوّل إلى جزء من الفضاء العامّ بمجرّد حصولها.
وحديث "الحِجاب" و"البحث عن الله" يُثير أسئلة منها: هل يحقّ لمجتمعٍ ما أنّ يفرض قيوداً على لباس الأفراد المنتمين له؟ جواب هذا السّؤال فرع عن تصوّرنا للوازم انتقال الفرد الإنسانيّ من الانتماء لذاته إلى الانتماء لجماعةٍ ما، وهنا تقول لنا فلسفة الاجتماع الإنسانيّ إنّ الانتماء لجماعةٍ ما لا يتحقّق إلا بالتشاركيّة بين مجموعة من الأفراد، وهذه التشاركيّة الجماعيّة تستلزم قدراً من التّضحية بالأفعال التي يريدها الفرد وحده لصالح الأفعال التي يتوقّعها أو يُريدها الآخرون المنتمون للجماعة نفسها، ويكون المقابل لهذه التّضحية في الفعل الشخصّيّ أو لنقل "الحريّة الشّخصيّة" هو اعتراف الآخرين وقبولهم بانتماء هذا الفرد إلى هذه الجماعة، لذلك إذا قبلنا بأنّ الإنسان كائن اجتماعيّ فإنّ وجوده الاجتماعيّ لا يتحقّق بـ"كوجيتو" ديكارت الذي يقول "أنا أفكّر إذن أنا موجود"، بل يصبح "أنا أنتمي لجماعة إذن أنا موجود"، وحينها تصبح الحاجة التي يسعى إليها الإنسان المنتمي لجماعة هي "اعتراف هذه الجماعة بانتمائه إليها".
لذلك لا يُمكن أن نجد "جماعة" أو "مجتمعاً" من دون منظومة من القيم "القهريّة" الإلزاميّة، تجعل الامتثال لهذه المنظومة فعلاً وجوبيّاً ليس موضع تفاوض أو قبول بالمخالفة.
وهنا تأتي قضيّة "الّلباس" الذي تجاوز منذ آلاف السّنين دوره المرتبط بحماية البشرة من الظّروف البيئيّة المحيطة بالإنسان إلى دور اجتماعيّ وثقافيّ يُحقّق له دورين قد يتصالحان أو يتعارضان، وهما قدر من التّشابه الشّكليّ يضمن له اعتراف جماعة بانتمائه لها، وقدر من الاختلاف والتميّز الشّكليّ يحقّق له إعلانه عن نفسه ذوقاً ومكانة اجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة أيضاً. والمشكلة هي حين تتعارض هذه الأدوار، فيصبح ما يريد الإنسان إعلانه عن نفسه غير مقبول في الإطار المجتمعيّ.
والملاحظ أنّ جميع المجتمعات البشريّة على اختلاف مستويات فضاءاتها المجتمعيّة، عامة كانت أم خاصّة، تقوم على قدر من القيود النّاظمة للّباس المتوقّع من الأفراد، ففي كلّ مجتمع ينتظم في دولة سنجد مجموعة من هذه القيود النّاظمة لقضيّة اللباس، وهذه القيود تنشأ بسبب أطر مرجعيّة مختلفة، منها المكان، والزمان، والحدث، والوظيفة، والوضع الاقتصاديّ، والانتماء الثّقافيّ والدّينيّ. والملاحظ أنّ حظّ هذه المرجعيّات من القبول والاعتراف داخل المجتمع نفسه متفاوت؛ فلـ"الجيش" و"الشّرطة" في كلّ مجتمعات الدّنيا لباس خاصّ تفرضه وظيفيّة الجيش والشّرطة، ولا نكاد نجد من يُنكر على الجيوش والشّرطة أن يكون لهم لباس خاصّ.
يُمكن القول إنّ مستوى القبول والخضوع لقيود الّلباس يترتبط بأمرين: مدى خصوصيّة الوظيفة المتوقّعة من جماعةٍ ما التي تجعل تمييزه بلباس معيّن أمراً مطلوباً مجتمعيّاً، ثمّ مستوى القوّة السّلطويّة التي تنتظم نشاط هذه الجماعة. لذلك نجد أنّ مستوى القبول بخضوع أفراد الجيش والشّرطة لقيود في الّلباس في أعلى مستوياتها لأنّ "مؤسّسة الجيش والشّرطة" تقوم على أعلى مستويات الخصوصيّة الوظيفيّة والقوّة السّلطويّة، ولكنّ المجتمعات الإنسانيّة لا تخلو من أطر وظيفيّة وسلطويّة أخرى تحاول فرض منظومة قيود تحدّد الّلباس المقبول أو الواجب، فهناك القانون والوظائف المتميّزة، وهناك الأعراف المجتمعيّة، وهناك البنية المكانيّة والحدَثيّة، وهناك "الدّين" أيضاً.
وهنا نأتي إلى قضيّة الحجاب في الخبرة المجتمعيّة المسلمة التي أرى أنّ سبب التّشنّج فيها، سواءً بالقبول أم الرّفض، يعود لكثافة حمولتها الرمزيّة المرتبطة بالامتثال للدّين وأحكامه. فنادراً ما نجد جدلاً في حالة فرض مؤسّسات كالجيوش والمدارس والشّركات والبنوك لباساً خاصّاً بالمنتمين لها. ولكنّ الجدل يرتفع إذا ما اقتربنا من المكوّنات الأساسيّة لمفهوم "لباس المرأة المسلمة" أو "الحِجاب" كما هي عند الفقهاء والتّصوّر المجتمعيّ مع مراعاة الاختلاف في هذه المكوّنات بين "الفقهاء" و"المجتمعات".
وهذا الجدل وهذه الحساسيّة في هذا المستوى يأتيان من الإطار المرجعيّ الذي يقدّم الدّاعون لهذا اللباس أنّهم يلتزمون به ويخضعون لأحكامه وهو "الدّين الإسلاميّ".
لذلك تثور مجموعة من الأسئلة بعضها مُعلن وبعضها مُضمَر، فتحظى الأسئلة المعلنة بالجدل الظّاهر وتتوارى الأسئلة المُضمَرة حتى تنفجر في طورها الأخير غالباً من دون أن تحظى أطوارها السّابقة بما تحتاجه من نقاش وجدال.
أمّا الأسئلة المعلنة فمثل: هل "الحجاب" بالصّورة التي يُقدّمها جلّ الفقهاء تستند إلى أوامر الدّين فعلاً؟ أم هي نتاج سلطة اجتماعيّة وتقاليد وأعراف متوارثة؟
أمّا الأسئلة المُضمَرة فمن مثل: هل يحقّ للدّين أن يفرض – إن فرض- قيوداً على لباس المرأة والرجل أيضاً؟ وهل يمثِّل الانتماء للدّين الإسلاميّ شرطاً ضروريّاً لاعتراف المجتمعات المسلمة بانتماء أفرادها إليها؟ وما الحدود التي ترسم وتحدّ فضاء الانتماء للدّين الإسلاميّ؟ وهل لا يزال الدّين شرطاً للهويّة المجتمعيّة؟ وهل يشكّل الدّين مرجعاً واجب الامتثال والالتزام؟
هذه الأسئلة المضمرة وغيرها توارت أو تراجعت غالباً وراء زخم جدل الأسئلة المعلنة وصخبها، لذلك تجد أنّ كثيراً ممن يدافع عن حقّ المرأة في أن لا تتحجّب ابتداءً أو نزعها الحجاب لاحقاً يحاول إثبات خلوّ النّصوص الدّينيّة صحّة وصراحةً ممّا يُلزم بهذا الحجاب. وهذا لا يُستغرَب لأنّ أغلب هؤلاء لا يريد نزع انتمائهم للدّين الإسلاميّ، لذلك يحاولون إثبات صحّة إسلامهم وكماله خارج حدود الالتزام بالحجاب. ولكن مع ذلك يبقى الموقف من الحجاب معبّراً عن هاجسين قد يجتمعان وقد يفترقان؛ هاجس رفض القهريّة الجزئيّة المتمثِّلة في "الحِجاب" المقيّد لحريّة الذّوق الّلباسيّ والتجمّليّ، وهاجس رفض القهريّة الكليّة المتمثِّلة في الأحكام الدّينيّة. لذلك نرى خطاب الوعظ الدّينيّ ومقابله خطاب التحرّر الفكريّ يكادان يختصران معركة وجودهما وسلطتهما في قضيّة "الحِجاب"؛ من منظور أنّ انتشار "الحِجاب" أو عدمه يعبّران عن مدى نفوذ المرجعيّات المختلفة والمتصارعة في المجتمع الواحد. ولذلك أيضاً يُثير "خلع الحِجاب" من محجّبة سابقاً أكثر بكثير ممّا يُثيره عدم لباس الحجاب ابتداءً، فهذا الثّاني أصبح مقبولاً بصورة أو أخرى في أغلب المجتمعات المسلمة، ولكنّ الأوّل يحظى بحساسيّة ورفض كبيرين؛ لأنّ "خلع الحِجاب" يعبّر عن تحوّل في الموقف وتغيّر في القناعة غالباً، كما يُمكن أن يعبّر عن تحوّلات في مركزيّة "المرجعيّات" يتجاوز "مخالفة أوامر السّلطة الدّينيّة" مع الإقرار بسلطتها ومرجعيّتها إلى رفض هذه السّلطة ومرجعيّتها.
وهنا تأتي قضيّة "ميسون" في جوانبها المتعدّدة؛ فهي لا تسعى للانتماء إلى الإسلام خارج الحجاب وحسب، بل تسعى للانتماء إلى "الله" خارج الإسلام و"الأديان والملل" عموماً، وهذا ما يدفع أقوالها وأفعالها إلى أعلى مستويات الجدل والحساسيّة، مؤكّداً هنا أنّني لا أحكم على سعيها هذا، بل لا أرى لنفسي الحقّ في الحكم عليه منها أو من غيرها، فالقضية التي أراها تسكن في العمق من هذه الظواهر هي أنّ "الدّين" في الخبرة المسلمة الآنيّة لم يعد عند فئة تزداد يوماً بعد يوم، مصدر "الإجابات والطمأنينة" سواء في معطياته الكبرى الوجوديّة أم أحكامه التفصيليّة، بل أصبح سبباً لأسئلة صعبة وقلقا لا يُمكن إزالته أو تخفيفه بمسكّنات قديمة انتهت مدّة صلاحيّة أغلبها، فالأمر يحتاج معالجة جذريّة تقترح إجابات جادّة وجديدة لأسئلة "الدّين" كبيرها وصغيرها، فعند فئة ولاسيّما من الشّباب لم يعد "الفقهاء وسلطتهم" موضع السّؤال، بل صار "الدّين" و"الله" بذاتهما موضع الأسئلة.
في هذه المقالة أظهرت بعض الأسئلة وأضمرت أخرى، وفي المقالات عن "القرآن وتفسيراته" التي سأستأنفها الأسبوع المقبل وما يتلوها من مقالات سأسعى ما استطعت إلى توسعة مقام "الإظهار" وتجاوز مقام "الإضمار".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »القضايا المصيريه اهم (ابو رامي)

    الجمعة 30 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    اللباس قضيه شخصيه ولا يجوز ان نربط بين ما يرتديه الانسان وبين اخلاقه ما دامت الثياب ضمن المنظومه الاجتماعيه والقانونيه واما انشغال مجتمع بما ترتديه فلانه بدلا من قضاياه المصيريه فهذا دلاله على سطحية هذا المجتمع .