محمد أبو رمان

الصندوق الأسود لـ"الإخوان"

تم نشره في الجمعة 30 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:10 صباحاً

قبل أيام قليلة، صدر كتاب "الحركة الإسلامية في الأردن، الإخوان المسلمون: دراسة تاريخية وتحليلية ونقد ذاتي"، للشيخ سالم الفلاحات؛ أحد أبرز رموز الحركة، والمراقب العام السابق لها، ومدير مركز "الأمة للدراسات". وهو من مؤسسي حزب "الشراكة والإنقاذ" (تحت التأسيس).
الكتاب جاء في مجلّدين، وقرابة 800 صفحة؛ لا يوجد فيه كلام إنشائي ولا خواطر، متخم بالتوثيق التاريخي للمحطات التي مرّت فيها الجماعة، بالتفصيل، ويتناول الملفات الرئيسة: تطور الجماعة؛ المناظرات الداخلية عن العلاقة بالنظام؛ التيارات الداخلية وتطورها؛ العلاقة بين الجماعة وحزب جبهة العمل الإسلامي؛ المشاركة والمقاطعة للانتخابات النيابية والبلدية والحياة السياسية؛ العلاقة مع حركة "حماس"؛ الأزمات الداخلية، بخاصة الأخيرة بالتفصيل والتوثيق لما كان يدور في أروقة الجماعة من نقاشات وحوارات؛ المؤتمرات الداخلية، والخلافات والنقاشات عن خيارات الجماعة في كل مرحلة؛ تأسيس مبادرة "زمزم" والظروف التي أحاطت بها؛ تأسيس جمعية الإخوان المسلمين الجديدة، بقيادة المراقب العام الأسبق د. عبدالمجيد ذنيبات، والأسباب والنتائج المترتبة على ذلك... إلخ.
ولا يمكن تلخيص الكتاب في مقالة قصيرة كهذه، وسأحاول العودة إليه لاحقاً. لكن من المهم القول إنّه يمثّل أهم وثيقة مرجعية تأريخية- توثيقية عن جماعة الإخوان، ويمنحنا مساحة مهمة جداً من الإضاءة على داخلها، من خلال أحد الفاعلين الرئيسيين في تلك الأحداث والتطورات.
والأهمّ من كل ما سبق، أنّ المؤلف تميّز بالموضوعية ونقل الآراء المختلفة ووجهات النظر المتعددة، فلم يكتفِ بتقديم رأيه ووجهة نظره الخاصة، ولم يسع إلى تشويه الخصوم، بالرغم من أنّه دفع ثمناً كبيراً في أزمة العام 2007 للخلافات الداخلية ومحاولة تشويه صورته في الجماعة.
باختصار، الكتاب بمثابة "الصندوق الأسود" للجماعة؛ ليس بالمعنى السلبي، بل الإيجابي. فهو يخرج بها من حيّز الغموض والتهويل والأوهام، ويضع المهتمين وصنّاع السياسات والمثقفين والإخوان أنفسهم، الذين لا يطلّون على هذه التفاصيل، أمام الحقائق والوثائق والتطورات الدقيقة التي حدثت خلال العقود الماضية، بخاصة العقد الأخير، أي منذ العام 2006 إلى نهاية العام الحالي، مع تدحرج الأزمة الداخلية إلى ما نراه من "تعويم" الجماعة من خلال أحزاب عدة، من جهة، وتدحرج أزمتهم مع النظام، التي أثّرت على الحالة الداخلية، وعلى قوة وضعف التيارات المختلفة في الجماعة.
وبالرغم من أنّ الفلاحات يتحفّظ على مصطلحيّ "الصقور" و"الحمائم"، ويرى أنّهما يختزلان بصورة غير دقيقة التيارات الموجودة من قبل الإعلام، فإنّه يشير إلى أنّ هناك تيارين تاريخيين؛ الأول متأثر بسيد قطب (نطلق عليه الأيديولوجي)، والثاني أكثر مرونة في التعامل مع النظام (ونسمّيه البراغماتي)، وذلك تعريف دقيق للحمائم والصقور (وحلّلتُ ذلك سابقاً في كتاب "الحل الإسلامي في الأردن: الإسلاميون والدولة ورهانات الديمقراطية والأمن).
ثم خرج تيار ثالث (كان يمثل جيل الشباب حينها) أُطلق عليه اسم "الوسط"، يقع في المنتصف بين البراغماتية والعقائدية، أو العلاقة المتراخية والمتشددة مع النظام. لكنّ هذا التيار نفسه انقسم مع إخراج قادة "حماس" من الأردن إلى تيارين فاعلين؛ الأول، الإصلاحي الوطني، ذهب باتجاه أولوية الإصلاح الوطني، والتركيز على القضايا الداخلية (أطلق عليه في أوساط الحركة تيار "الأردنة"). والثاني، يركز على أولوية القضية الفلسطينية، وأطلق عليه "التيار الرابع"؛ أي المقرب من حركة "حماس" حينها.
هذا الكتاب يساهم في إنهاء "التابوهات الزائفة" لدى الجماعة، وكسر القاعدة الضارّة "سرية التنظيم وعلنية الدعوة"، كي يكون عمل الجماعة وحراكها ونشاطها، وحواراتها الداخلية في العلن، وتحت الشمس، وللفصل التام بين الدعوي والسياسي، بعد أن تبين كيف أضرّ الخلط بين الاثنين كثيراً بالجماعة ومسارها وأجج خلافاتها الداخلية.

التعليق