د.باسم الطويسي

إعادة التموضع الاستراتيجي والسياسي: ضرورة حتمية

تم نشره في الأحد 1 كانون الثاني / يناير 2017. 12:07 صباحاً

القراءة الأولى لمقابلة الفريق الركن محمود الفريحات رئيس هيئة أركان القوات المسلحة لقناة "بي بي سي" تشير بوضوح إلى بدايات إعادة تموضع استراتيجي حيال التهديدات العابرة للحدود، وذلك استجابة لطبيعة التهديدات المتحركة التي تحيط بالمملكة وتحديدا في الحدود الشمالية والشرقية، ورغم أن المقاربة الاستراتيجية الأردنية التي تشكلت في مراحل مبكرة من الأزمة السورية ما تزال متماسكة إلا أن هذه الرؤية الاستراتيجية تتطور بوضوح بل تصاحبها تعبيرات سياسية كان الأردن في السابق متحفظا حيالها.
لقد قامت المقاربة الاستراتيجية الأردنية على أن الأزمة السورية سوف تستمر طويلا وأن لا حل عسكريا حاسما في القريب، وأن الحل السياسي هو الممكن الوحيد، فيما حماية الدولة السورية ووحدة أراضيها بقيت هدفا استراتيجيا دافع عنه الأردن ورفض الكثير من العروض والإغراءات السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية، ويبدو أن هذه الرؤية هي الأقرب للواقع، حيث حافظ الأردن الرسمي على علاقاته مع دمشق الرسمية وأبقى على وجود تنسيق أمني مع الجيش السوري وساهمت القوات الأردنية إلى وقت قريب في حماية البوابة الحدودية بين البلدين. وبعد ظهور الروس في الأجواء السورية دخل الأردن في تفاهمات ثلاثية، حاول إبعاد مناطق الجنوب من العمليات العسكرية الكبرى في الوقت الذي رفض فيه إغراءات المناطق العازلة.
في المقابل ذهبت المقاربة الأردنية إلى مد الجسور مع المعارضة السورية المعتدلة، سياسيا واستراتيجيا بهدف تأمين الحدود الأردنية ومنع وصول التنظيمات الإرهابية إلى نقاط التماس. وعلى هذا الأساس بنيت شبكة علاقات مع قوى محلية عشائرية وسياسية، وهو العمل ذاته الذي تم في مناطق غرب العراق لتوفير وسائد أمنية محلية نجحت في مراحل متعددة من الصراع في إعادة ضبط الموقف ومنع تسلل عناصر إرهابية الى المناطق الحساسة.
أهم الرسائل السياسية التي يقدمها حديث الفريق الفريحات تبدو في أن الأردن بات يعبّر بوضوح سياسي أكبر عن تلك المقاربة الأمنية وبات يتحلل من بعض التحفظات السابقة، كما هو الحال في إدراك التحولات الاستراتيجية على الأرض التي تتطلب بالضرورة نوعا من إعادة التموضع الحذر، في الوقت الذي يزداد حضور التنظيمات المتطرفة الرئيسية في الجنوب السوري؛ تنظيم الدولة ( داعش ) وجبهة النصرة "فتح الشام" والفصائل الموالية لهما ومن بينها ما يسمى جيش خالد بن الوليد الذي لا يبعد عن الحدود الأردنية سوى بضعة كيلومترات، وعلى هذا الأساس يذهب قائد الجيش الأردني إلى أن المعركة القادمة للجيش السوري ستكون في الجنوب ونحو درعا، وهذا ما يطرح تساؤلا آخر؛ هل يصب هذا التطور إن حدث في المصالح الأردنية أي الاستجابة للوقائع الاستراتيجية المتحولة على الحدود الشمالية لصالح وجود قوات نظامية موثوقة، وتأمين طريق عمان – دمشق وصولا إلى فتح المعابر الحدودية. بمعنى الانتقال من مبدأ تهدئة الجبهة الجنوبية إلى مبدأ حسم معركتها وربما تعجيلها.
يبدو أن إعادة التموضع الاستراتيجي باتت ضرورة حتمية بالنسبة للأردن، وليس خيارا سياسيا في ضوء المعطيات الاستراتيجية وميزان القوى على الأرض بعد استعادة حلب، وفي ضوء الأجندة السياسية الدولية التي ستبدأ تتبلور بشكل أكثر وضوحا في الربع الأول من العام الجديد، وتتلخص بالأجندة المختلفة للإدارة الأميركية الجديدة والتفاهمات الروسية التركية؛ فالأحداث تجري بسرعة وعلى مراكز صنع القرار أن تسبق الأحداث لا أن تنتظرها.

التعليق