ماجد توبة

ليس تنظيما حكوميا.. بل قفز عن القانون!

تم نشره في الاثنين 2 كانون الثاني / يناير 2017. 12:05 صباحاً

كيف يمكن للمواطن ان يتفهم تأكيدات الحكومة بأن هدفها من قراراتها الاخيرة بخصوص الاعفاءات الطبية للمرضى الفقراء أو غير القادرين، هو تنظيمي ولوقف الهدر وتحقيق العدالة بين المواطنين، وهو يرى انها –في ذات الوقت- تلجأ لمنح النواب امتياز المشاركة بتأمين الاعفاءات الطبية لمن يريدون من مرضى ومواطنين؟!  
لم يكن كافيا خروج وزير الصحة ومسؤولين حكوميين لنفي ما تسرب من اخبار عن الغاء الحكومة للاعفاءات الطبية، التي تقدم لمواطنين مرضى، ممن لا يملكون تأمينا صحيا، عبر رئاسة الوزراء، لغايات خفض النفقات ووقف "الهدر"، فهذه التوضيحات، على اهميتها واهمية مضمونها، جاءت منزوعة الدسم والاقناع للمواطن، الذي كان يستمع لرئيس الوزراء د. هاني الملقي قبل ايام قليلة خلال لقائه برئاسة مجلس النواب وكتله، وهو يعلن للنواب عن "فتح مكتب في مبنى المجلس بإشراف طبيب لاستقبال طلبات المعالجة من النواب ودراستها وتحويلها لرئاسة الوزراء واعادتها للمكتب بعد توقيعها بغضون يومين"!
ما  رست عليه التصريحات الحكومية اخيرا هو ان الاعفاءات الحكومية في العلاجات، ما تزال قائمة ولم تلغ، لكنها ستنظم عبر اعتماد وزارة الصحة ومستشفياتها لتقرير حاجة مقدم الطلب للاعفاء وتلقي العلاج فيها، على ان يحول الى مستشفيات اخرى ان لم يتوفر العلاج في "الحكومية". وهذا امر يمكن تفهمه وقبوله، فما يهم المواطن بالمحصلة ان يتم تأمينه بالعلاج، خاصة في الامراض المستعصية كالسرطانات والعمليات الجراحية المتقدمة، التي تعد مكلفة لا يقدر على تأمين كلفتها اغلب المواطنين.
لكن المشكلة، هي في ان الحكومة التي تقول انها تهدف من هذه الخطوة الى وقف الهدر والازدواجية بالتأمين والعلاج، وتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين، وبما يضبط ايضا النفقات، تلجأ –أي الحكومة- إلى تكريس عدم المساواة بين المواطنين لارضاء النواب، وضمان علاقة "مصلحية" معهم، حتى لو كان ذلك على حساب المساواة والعدالة بين المواطنين، عبر استحداث مكتب خاص، وآلية خاصة، لتمرير الطلبات التي يقدمها النواب لمواطنين، في الغالب سيكونون من القواعد الانتخابية لهؤلاء النواب!
إن كان مطلوبا من المواطن، المغلوب على امره، ان يتفهم قرارات الحكومة الجديدة بتنظيم آلية الحصول على الاعفاءات الطبية، لوقف الهدر والعشوائية فيها، وتحقيق المساواة والعدالة بين جميع المتقدمين لها من مواطنين، فكيف له ان يقتنع بمنح امتياز غير عادل ولا قانوني لـ130 نائبا ليحلوا محل وزارة الصحة والمؤسسات الحكومية باختيار من يستحق الاعفاء الطبي؟ فالنائب –بحسب التجربة- لن يكون معنيا الا بطلبات قواعده و"مفاتيحه" في دائرته الانتخابية، التي يريد ان يخدمها ليعاد انتخابه لاحقا!
لم يعد المواطن الأردني بقادر على تحمل استمرار العلاقة المشوهة لتبادل المنافع والمصالح بين النائب والحكومة، وهي علاقة انتجت دائما فسادا وقفزا عن القانون وضربت اسس العدالة والمساواة بين المواطنين، سواء اكانت مصالح ومنافع تمرير آلاف التعيينات في الجهاز الحكومي، المثقل اصلا بحمولاته الزائدة، او بتمرير معاملات وقرارات لصالح نواب او واسطات النواب، وإن في قضية الاعفاءات الطبية.
مثل هذه العلاقة المشوهة، التي اشبعت نقدا وتحليلا على مدى عمر المجالس النيابية السابقة، لم تعد بقابلة للاستمرار، ليس لانها كانت مقبولة او قانونية سابقا، فهي شكلت دائما مخالفات دستورية وقانونية، وضربت في الثقة الشعبية بمؤسسة البرلمان وباقي مؤسسات الدولة، بل لأن الاوضاع المعيشية والاقتصادية القاسية للمواطن، وحجم الضنك الذي يعيشه سواد الناس في ظل ما تحملوه من سياسات اقتصادية ومالية صعبة على مدى العقود القليلة الماضية، لم يترك لهؤلاء المواطنين اليوم مجالا للتغاضي او تجاهل هذه العلاقة المشوهة بين الحكومة والنواب، او السكوت عليها.
مطلوب اليوم، من النواب قبل الحكومة، وقف هذا "الامتياز" غير القانوني او الدستوري بتحديد المستحق من مواطنين للاعفاء الطبي العام.

التعليق