حنان كامل الشيخ

المُبَلّغون!

تم نشره في الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً

أكثر ما يؤلم في بيان مركز عمليات وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، بخصوص حادث اسطنبول الإرهابي هي الخانة المتعلقة بأسماء المبلّغين بأحوال المواطنين الضحايا، ما بين متوفى ومصاب ومفقود. ولكم كنت أتمنى أن أبدأ مقالات العام الجديد بموضوع يسر الخاطر، إنما ليس للأماني حيلة!
فعلى الرغم من انشغال وسائط التواصل بالخبر صباح أول أيام العام الجديد، ومن ثم تشاغلهم عن الحادث لغايات التحليل والتفسير وبالطبع التنكيل، كان لوقع تلك الخانة غصة خاصة لا يلتفت  إليها كثيرون.
هؤلاء البشر المتمسمرون داخل فقاعة مفرغة من الهواء، محتبسة أرواحهم في المنطقة ما بين القفص الصدري والقلب، تتجافى عيونهم عن أي شيء إلا شاشة الهاتف الموصول بالشاحن طوال الوقت، يعتصرون من ذكريات آخر اللحظات الحية، وأصوات الكلمات غير المسموعة جيدا بسبب ضجيج الاحتفال، بعضا من أمل لحدوث المعجزة إياها، بأن يفيقوا على صوت بعيد يوقظهم من كابوس كاتم للأنفاس.
هؤلاء الذين يجلسون بتوحد وسط حشود الداعمين، لا يسمعون إلا آخر الضحكات وبقية من مفردات متناثرة غير مفهومة، هي نهايات مكالماتنا الاعتيادية، في العادة لا نلتفت إليها جيدا، إنما اليوم، هم في أمس الحاجة لاستحضارها، علهم يفهمون شيئا مما يحدث!
لا أحد انتبه إلى أسمائهم ولم يهو قلبه بين ضلوعه كمدا عليهم، هم الباقون على قيد الحياة، ويعاتبون أنفسهم ربما لأنهم كذلك!
انشغل الناس في السجال العقيم السقيم المكرر بملل يخنق، بين من حزن على ضحايا الهجوم وترحموا بلباقة على بشر كانوا يحتفلون، وبين جماعة “بستاهلوا” الذين لم يخجلوا من الاستهزاء بموتهم أثناء وجودهم في حفلة!
نفس الحوار ونفس العبارات والصور الجاهزة، والمنشورات والاقتباسات، التي لو قامت إحدى شركات الوسائط المتعددة برصدها، لسجلت نتيجة تدرس في كليات الإعلام الحديث، حول صنمية أدوات التفكير المنقسمة طوليا  عندنا، بين ادعاءات محنطة ودفوعات محنطة أيضا!
أستغرب حقيقة لمن كان يترحم ويتباكى على ضحايا الحوادث الإرهابية التي شهدتها عمان في بدايات القرن الحالي، وهو نفسه الذي يملي على الآخرين الطريقة المثلى في التعامل مع أخبار ضحايا الإرهاب، المحتفلين بعيد رأس السنة. أستغرب من حجم نفاق وتواطؤ بعض المفصومين مع الحدث عندما يكون وطنيا، مقابل الشماتة ببشر آخرين وقعوا تحت المكيدة نفسها، إنما ضمن حدود أخرى. هذا الأمر لا يعني إلا شيئا واحدا؛ كلهم فرحون بالموتى وشماتون بطريقة قتلهم، سواء هنا أو هناك!
لم يفكر السادة المحللون من طرفي النزاع أبدا، بأهالي الضحايا المنكوبين بموت أولادهم، والذين هم بالضرورة يؤنبون أنفسهم الآن ألف مرة، لأنهم لم يصروا عليهم بعدم الذهاب إلى أي مكان تلك الليلة بالذات، في خضم حالات التوتر التي تشهدها المنطقة بأسرها، بل وفي البلاد الغربية أيضا. لم يفكروا بهم وهم يتناقلون فيما بينهم إشاعات التفاؤل، ولمحات الأمل بسبب غياب رواية رسمية واضحة، طيلة الثماني والأربعين ساعة الطويلة جدا، تبعتها طبعا أخبار وتكهنات متضاربة، تطوعت بها مشكورة مواقع إخبارية، اعتقدت بأنه سبق نشر أسماء الضحايا، هو عمل صحفي يستحق الاحترام، حتى ولو لم تكن متأكدة منها تماما، باعتبار أن تصحيح خبر وفاة، يفي بالغرض وكأنه تصحيح لموعد مباراة كرة سلة!
لم لا ندع الخلق “أحياء وأمواتا” لخالقهم، هو أولى بهم؟ الذين قضوا في الحادث الإرهابي من الأردنيين وغيرهم لم يكونوا على جبهة القتال، ولا في دور عبادة ولا حتى في بيوتهم، إنما هم أموات لم يتقصدوا أن يموتوا في سيارة على الطريق، أو في طيارة وقعت في المحيط، ولا في مطعم أو ملعب رياضي.
دعونا نراعِ فقط فئة “المبلغين”؛ أهالي الضحايا الذين يدفعون اليوم ثمن قتلهم مرتين؛ على يد الإرهاب الأسود مرة، وعلى يد المحللين المقررين مرة.

التعليق