جهاد المنسي

الإرهاب لا يُجزّأ

تم نشره في الأربعاء 4 كانون الثاني / يناير 2017. 12:03 صباحاً

وصلتني على الخاص رسالة من أحدهم يقول مرسلها "داعش" يفجر المصلين داخل مسجد، ويفجر داخل كنيسة، ويفجرون داخل المطارات، وفي الاسواق العامة، وفي الأعراس، ومن ثم يطلقون النار على الناس في مطعم وملهى ليلي، وفي النهاية يتساءل مرسل الرسالة، أين نذهب؟!
هو سؤال رغم بساطته مشروع، ويظهر الفكر الذي تربى عليه أولئك القتلة الإرهابيون، فهم ببساطة يرون أن أي شخص خارج فكرهم وعقيدتهم هدف يتوجب القضاء عليه، وبالتالي فلا ضير أن يفجروا في الأسواق العامة أو داخل مساجد وكنائس، فهدفهم ترويع الآمنين وبثّ الرعب في قلوب الناس وإرهابهم، وإرسال رسالتهم التي يريدونها للعالم من دون النظر إلى الشكل الذي ينفذون به أهدافهم، أو معرفة جنس الضحية ودينه.
في الأمس كان تنظيم "داعش" يضرب في كركنا، وبعدها بأيام ضرب في إسطنبول في مطعم، وقبلها ضرب في المطارات في بلجيكا وتركيا، وقبل ذاك في الساحات العامة والأسواق في برلين وفرنسا، وقبلها في كنيسة، وبالتزامن في مساجد في العراق وباكستان، وقبل هذا كله في أعراس في عمان، وفي وسط كل ذاك كان يرسل طفلة لتفجر نفسها في دمشق، وقبلها حرق الناس أحياء وجز رؤوس البشر وسبى النساء، وفجر أضرحة الصحابة، وفجر آثار البشرية في تدمر والعراق، إذن اولئك السفاحون يقتلون كيفما اتفق، هدفهم قتل أكبر عدد ممكن من الناس من دون النظر لجنسياتهم ودينهم وفكرهم ومعتقدهم، هم ببساطة يستحلون كل دماء البشرية ويعتبرون أن دم كل من لا يقف معهم في دمويتهم مستباح ولهم الحق في قتله!
وبالأثر، فانه مخطئ من قال أي كلمة بحق أولئك الذين قضوا في العملية الإرهابية التي نفذها تنظيم "داعش" الإرهابي ليلة رأس السنة في إسطنبول، ومخطئ من نظر للموضوع من زاوية واحدة، وتناسى أن الإرهاب هو الإرهاب، يقتل الناس في أي مكان وزمان، ولا يجوز تفصيل الارهاب حسب المكان والزمان، فالقتل لا يُجزّأ ولا يجوز النظر إليه حسب ظروفه، وإلا فنحن بهذا الشكل نكون قد تعاطفنا مع الإرهابيين وبرّرنا لهم أفعالهم، وكنا كمن يقول لهم إن قتلهم الناس داخل الملهى حق، فيما قتلهم الناس في أماكن أخرى إجرام ويجب التوقف عنه!
تلك نظرة مشروخة ومرفوضة وتحمل في طياتها فكرا داعشيا كامنا في النفوس، ومستقرا في العقول يمكن أن يكبر ليصل حدّ الإرهاب يوما ما، فالإرهاب لا يُجزّأ، ولا يجوز إدانته حسب مكانه وزمانه.
إنه لأمر محزن أن نشاهد ونقرأ تعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي تنال من الناس الذين قضوا في العملية الارهابية في إسطنبول، وكأننا نبرر قتلهم، ومرفوض ان ننظر الى المكان الذي تواجدوا فيه من دون أن ننظر للفعل الاجرامي الذي حصل، فنحن البشر لا يجوز لنا تحت أي ذريعة، وتحت أي ظرف محاسبة الناس والحكم عليهم بالقتل، وتنفيذ قتلهم بأيدينا، فمن يمتلك حق محاكمة الناس هو رب الناس وليس البشر، ومن يمتلك حق توزيع الناس على الجنة والنار هو رب الكون، وليس "داعش" أو سواه من تنظيمات ارهابية.
أولئك الذين كان يحتفلون بليلة رأس السنة بشر دخل عليهم وحش تشبع بأفكار خارجة عن الدين والملة، وقرر أن ينفذ فيهم حكمه المبتور وفكره المنحرف، فاستباح دماءهم، ولكن ذاك القاتل لا يملك حق القتل ولا يملك حق مصادرة حرية الناس في طريقة حياتهم وعيشهم، ولا يجوز لأي كان أن يبرر فعلته.
حسب ما يبدو فإننا بحاجة للكثير من العمل، والكثير من المراجعات الفكرية، والدينية، والتدقيق المتواصل على الكتب التي يقرأها الناس والتي تحمل أفكارا سلفية تشوه صورة الدين والتي باتت تستوطن وتعشعش في رأس الكثير من الناس بيننا، حتى إنك بت تسمع وتشاهد مساجلات يذهب بعض المساجلين فيها لتصنيف الناس حسب توافقهم واختلافهم معهم.

التعليق