سائد كراجة

الحصاد المر

تم نشره في الأربعاء 4 كانون الثاني / يناير 2017. 12:02 صباحاً

مطعم "رينا" التركي الذي استهدفه الاعتداء الأخير في اسطنبول ليس زاوية صوفية. ولا أذيع سراً إن قلت لك إنّ كثيراً من الأردنيين يرتادون المطاعم، ويسهرون أحياناً في الملاهي، وأكثرهم من معارفك وأقاربك وأولاد عمك، وأنت تدعوهم وتتباهى بهم ليتصدروا جاهتك، ويجلسوا في صدور المجالس وهم أصحاب أعمال وموظفون ومهنيون.
وأزيدك من الشعر بيتاً: هذا ليس حكراً على الطبقات الغنية فقط، بل هو منتشر في كل طبقات المجتمع؛ كلٌ على مستواه، وهُم في أغلبيتهم ليسوا أقل منك حرصاً على العادات والتقاليد، وليسوا بالضرورة رمزاً للتحضر والحضارة، ولكنْ فقط نمط حياتهم مختلف عن نمط حياتك، وقناعاتهم أيضا مختلفة عن قناعاتك. ومن المفهوم أنك قد لا تتفق مع سلوك هؤلاء أو حتى أنك تنتقدهم، بل عادي أن تدعوهم -لما تعتقده- الصراط المستقيم والطريق القويمة، لكن ما ليس عاديا أن تشمت بمقتلهم لأن نمط حياتهم مختلف عن نمط حياتك؛ فمن مات هو إنسان له عائلة وأولاد ومحبون، وحياته كإنسان مصونة في جميع الأديان والشرائع.
من غير العادي أن تبرر قتلهم من قبل عصابات إجرامية تتستر بالدِّين، مع أنها عصابات تبرر حتى قتلك لأن دينك لا يتفق مع دينهم، ولا مع تأويلهم للقرآن، وأيضا لأن فهمهم للسُنّة يختلف عن فهمك. ما هو غير طبيعي أن توافق على فرض فهمك للدين؛ أي دين، أو ما تعتقده أخلاقا، بالإكراه والقهر، أو بالشتم والتحقير والتشفي عبر وسائل التواصل الانفعالي.
"بعدين" فكر فيها جنابك؛ لو أن كل الناس يسافرون إلى تركيا ليقعدوا في جامع أيا صوفيا أسبوعا ويرجعوا، "كان شو ضل لجنابك شغل... مين بدك تهدي ومين بدك تدعو وتعظ"؟! وفي هذا المقام أذكرك بقوله تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ".
الصراحة -والحق يقال- هناك أناس ملتزمون دينياً بالقول والعمل. لكن يا صديقي -وما تزعل مني- صحيح أنك لا تشرب الخمر، لكنك تكذب، وغالباً لا تَصدُق في موعد ولا وعد، وإن عملتَ عملاً فإنك لا تتقنه؛ وليس هناك خيال لسيدة أو فتاة ماشية في الشارع يسلم من ملاحقتك وتعليقاتك. يعني "خِف علينا"، لا يوجد مجتمع على نسق أو شكل أو سلوك واحد. وحتى في عصر الخلافة والتابعين، كان هناك من هو مختلف في سلوكه الشخصي والعائلي، ومن غير المعقول أنْ تتخيل أن كل الناس يجب أن يكونوا نسخة عن جنابك.
الخلاصة، إذا "بدك جنابك" تحمي نفسك وحريتك وقناعاتك الدينية والشخصية، فيجب أن تقبل تنوع المجتمع واختلافه. بعكس ذلك، سنجد من تلك العصابات مَن يبرر قتلك لأنك تختلف عنه، وستجد من يتشفى باختطاف بناتك لأنك لا تطبق الدين على طريقته، ولا تفهم الأحكام والإسلام كما يفهمها هو.
الداعشية يا صاحبي مطب؛ إذا وافقنا على جزء من ممارساتها، لأي سبب كان، فإننا نمسي ضحية لبطشها، ونتحول جميعاً ممن يجوز قتلهم والتنكيل بِهم؛ فهم يكفّرون حتى أطفال المسلمين، وقد قتلوا الناس المدنيين العُزل في قلعة الكرك، وقتلوا ضُباط الأمن برصاصات في صدورهم مباشرة.
"داعش" يا صديقي لا يفرّق بين ضباط أمن يقومون بواجبهم، وبين من يسهرون مع عائلاتهم في مطعم "رينا" التركي.
لنرفع راية سيادة القانون باعتبارها الاختراع البشري المسؤول عن عمارة الأرض، وتثبيت السلم في المجتمعات رغم اختلاف أفرادها؛ لنرفض منطق القتل لمن هو مختلف عنا في الرأي والسلوك والنمط الاجتماعي، وإلا فإن "الدور واصلك واصلك"، فاهم عليّ جنابك.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رحمة الله عليهم (د. حسام ياغي)

    الأربعاء 4 كانون الثاني / يناير 2017.
    "من غير العادي أن تبرير قتلهم من قبل عصابات إجرامية تتستر بالدِّين"

    نعم هذه شرذمات من صنع الغرب لتفتيتنا وتشويه صورة الدين ومن ما زال يؤمن بدين. هؤلاء شرذمه لا تفقه بالدين وإلآ لما قتلوا أبرياء.

    وأضيف من خبرتي وزياراتي العائلية مع أطفالي لإسطنبول: أنت ممكن أن تكون بذقن شبر وتجلس في مطعم لتأكل لقمة مع عائلتك، وبجانبك طاوله أخرى يشرب أصحابها الخمر. ذلك لا يعني أنك شرّيب خمر ولا يعني أنك تسهر ليالي حمراء أو بنفسجية. أنت مجرد سائح جاع وجلس ليأكل. أنت في بلد مسموح وشائع فيه شرب الخمر. وبعدين آية القرآن الكريم واضحة لمن يقرأ القرآن "لكم دينكم ولي دين". يعني بالإنجليزي: كل واحد يعمل ما طاب له والله هو المُحاسب في الأخرة (مع إحترام خصوصيات المجتمع).