العنف الجامعي: الأسباب الحقيقية وحلول مقترحة

تم نشره في الأربعاء 4 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً

زياد الرفاتي

شهد عدد من جامعاتنا، ولا سيما الجامعة الأردنية، في الآونة الأخيرة، أعمال عنف ومشاجرات طلابية، شارك فيها أيضا أناس من خارج الجامعة. وفي هذا السياق، وددت أن أكتب عن هذه الظاهرة التي أصبحت مؤرقة للجميع من دون استثناء، ولا سيما أنني كنت طالبا في الجامعة الأردنية في كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية/ قسم المحاسبة خلال السنوات 1984-1988.
فغيرتي على الجامعة التي تعتبر أم الجامعات هي التي دفعتني إلى الكتابة عن هذا الموضوع، إذ لم تكن تشهد الجامعة في القرن الماضي ما تشهده حاليا، وكانت صرحا علميا له سمعته المحلية والعربية والإقليمية والدولية، تتسابق مؤسسات مختلفة على توظيف خريجيها وإعطائهم الأولوية على غيرهم من خريجي جامعات أخرى. فكانت تضم نخبة متميزة من الطلبة والمدرسين أصحاب الباع الطويل والخبرات العميقة في مجالاتهم ومؤهلاتهم العلمية من أعرق الجامعات، وكان الطالب آنذاك، بمثابرته وجهده واجتهاده، يحصل على العلامة التي يستحق، ومن ثم الشهادة عن جدارة. وكانت تلك الفترة امتدادا لفترة السبعينيات، وتواصلت إلى التسعينيات. وقد تعاقب على إدارة "الأردنية" آنذاك نخبة متميزة من الأساتذة الكبار، أمثال د. ناصرالدين الأسد، ود. محمود السمرة، ود. خالد الكركي، ود. عبدالسلام المجالي. ولا بد للجامعة من أن تستعيد هيبتها وأمجادها التي بناها الذين تسلموا إدارتها بعد تأسيسها وتعاقبوا عليها بعد ذلك.
وقد اختلف الوضع في بداية القرن الحالي واستمر على ذلك؛ إذ تراجع مستوى التعليم الجامعي وتراجع تصنيف الجامعات الأردنية عالميا، فتفوقت علينا جامعات كانت متأخرة عنا في التصنيف العالمي.
وفي ظل استمرار ظاهرة العنف والمشاجرات في الجامعة الأردنية وغيرها من الجامعات، فإنه لا بد لإدارات الجامعات والقائمين على التعليم العالي من تشخيص أسبابها الحقيقية، ووضع الحلول المناسبة لمعالجتها جذريا. وباعتقادي أن هذه الأسباب لا تخرج عما يلي:
1 - ضعف مستوى التحصيل العلمي للكثير من الملتحقين بالجامعات، وتدني مستواهم الفكري والثقافي وابتعادهم عن مصادر المعرفة، سواء داخل الجامعات كالمكتبات، أو في محيطها الخارجي. ويمتد هذا الضعف في أثناء الدراسة الجامعية، كما نلمس من مخرجات التعليم الجامعي بتدني مستوى كثير من الخريجين في سوق العمل، مع تركز هذا الضعف في الكليات الإنسانية أكثر منه في الكليات العلمية.
2 - ما تزال العقلية المناطقية تسيطر على التعامل بين الطلبة داخل الجامعات؛ فابن المنطقة يقف غالباً إلى جانب الطالب المعتدي ويؤجج المشكلة بدلا من ردعه.
3 - وقت الفراغ الطويل الذي يقضيه الطلبة داخل الجامعة. والفراغ مفسدة للوقت. وهنا يقع على عاتق إدارات الجامعات إشغال أوقات الطلبة بأعمال تطوعية ونشاطات لامنهجية؛ ثقافية ورياضية واجتماعية، بما يعود بالنفع عليهم وعلى جامعاتهم والمجتمع المحيط بهم، وصقل معارفهم ومهاراتهم وتجذير العلاقة بينهم وذوبان عقلية الأصول والمناطق.
4 - إدخال نشاطات إلزامية في مسيرة الحياة الجامعية، بحيث لا يتخرج الطالب من دون المشاركة فيها؛ تغرس فيهم ثقافة الحوار والمشاركة مع الآخرين، والعمل التطوعي والجماعي بعيدا عن الفردية.
5 - أن يكون هناك دور لدوائر القبول والتسجيل في الجامعات في وضع البرنامج الدراسي للطالب في الجامعة، فلا يترك ذلك لقراره الفردي، وبحيث يتم الحد من الفراغ الكبير في الأوقات بين محاضرة وأخرى، والتي تكثر فيها أعمال العنف والمشاجرات.
6 - ما تزال سياسة القبول الحالية في الجامعات تلعب دورا في ظاهرة العنف. ولا بد من العودة إلى مبدأ التنافس الحر في القبول، وإعادة النظر في الاستثناءات لفرز الطالب المجد عن غيره.
7 - إن أسلوب التدريس والامتحانات السائد في الجامعات له دور أيضا؛ إذ إن أسلوب التلقين، واتباع طريقة الأسئلة الموضوعية دون الأسئلة ذات الإجابة المقالية والتحليلية والاستنتاجية، يجعل الطالب غير قادر على التعبير عن نفسه وما يجول في خاطره، ومدى استيعابه للمادة الدراسية. ويساهم ذلك في التفريغ عن طريق العنف وعدم الحوار وعدم الاستماع للطرف الآخر.
8 - الحد من ظاهرة الأبحاث الجاهزة التي يشتريها الطلبة من السوق بدلا من العودة الى المراجع العلمية والمكتبات لإعداد أبحاثهم، وملاحقة من يسوق لها؛ إذ تساهم في قتل الفكر والتحليل والإبداع والقدرة على المناقشة لدى الطلبة. وعلى عضو الهيئة التدريسية مناقشة الطالب في بحثه لخلق جو الحوار، لا أن يأخذه منه جاهزا لأغراض العلامة فقط، كإجراء روتيني واستكمالا للمتطلبات.
9 - إن مستوى بعض الهيئات التدريسية في الجامعات ليس بذاك المطلوب، ولا بد من التشديد على مصدر ونوعية الجامعات واعتماديتها والمدد المقررة حسب المعايير العالمية لمنح الشهادة التي تؤهله للتدريس في الجامعة، وإلزامه تقديم أبحاث علمية دورية، والقيام بدراسات أثناء التدريس. ولا يكون ذلك لمجرد الترقية فقط، لجعله يعمل دائما على تطوير نفسه، وبما ينعكس إيجابا على جودة العملية التدريسية.
10 - الحد من اكتظاظ الطلبة في قاعات التدريس، بسبب الزيادة عن العدد المقرر وفقا للمعايير العالمية. وسعة الجامعات الحكومية تزيد عن الطاقة الاستيعابية المقررة لها، لأسباب مالية دفعتها إلى ذلك، فانعكس ذلك سلبا على قدرة المدرس والطالب في إطلاق طاقاتهما وفكرهما وحواراتهما، وإيصال المعلومة بانسيابية ومرونة.
إذ تعاني الجامعات مديونية ثقيلة، وعجزا في ميزانياتها. وقد أدى ذلك الى سيرها نحو قبول أعداد كبيرة من الطلبة يفوق قدراتها وإمكاناتها الاستيعابية، وإدخال البرنامج الموازي والبرنامج الدولي الذي يدفع فيهما الطالب أضعاف القسط العادي. وقد انعكس ذلك سلبا وبشكل كبير وجوهري ومؤثر على نوعية الطلبة والتعليم ومخرجاته. فهذه الجامعات تحتاج الى دعم حكومي للتخفيف مما تعاني منه.
11 - يبدو من التجارب السابقة أن الأمن الجامعي غير قادر على مواجهة المشاجرات. ومن ثم، لا بد من تأهيل أفراده وتدريبهم والاستفادة منهم وإكسابهم المهارات اللازمة لذلك، وإعطائهم صفة الضابطة العدلية.
12 - إن المشاجرات تستنزف وقت وجهد الأجهزة الأمنية عند حضورها لفضها، فيما لدى هذه الأجهزة أولويات أخرى وما يكفيها من العمل، ولا يجب إشغالها بمثل هذه الأمور. فمنتسبو الأجهزة الأمنية ساهرون على أمننا وراحتنا، ويستحقون منا تحية التقدير والإكبار، ورجل الأمن عليه دور أكبر من أن يقوم بردع طالب ليس لديه إحساس بالمسؤولية بافتعاله مشاجرة لأسباب واهية بعيدة كل البعد عن قيمنا الأخلاقية والدينية والوطنية.
فالمشكلة ليست أمنية، ولا يجوز أن نقحم الأمن داخل أسوار الجامعات في قضايا ليست من صلب عمله الرئيس. بل هي في الأساس من مهام إدارات الجامعات ومجالس أمنائها، ووزارة التعليم العالي، ومجلس التعليم العالي، الذين يجب أن تكون لهم أدوار أيضا في ذلك، فلا يقفون موقف المتفرج على أوضاع الجامعات وما تعاني منه، من دون تقديم حلول جذرية.
وهنا يبرز دور رؤساء الجامعات في القيام بأدوارهم قبل الوصول إلى مرحلة استدعاء الأمن إلى الجامعات، وذلك من خلال إعادة النظر في السياسات والتعليمات والإجراءات المتبعة داخل الجامعات، بالتشارك مع المختصين والجسم الطلابي؛ وذلك من مبدأ الحوار والمشاركة في صنع القرار والقرب من الطلبة وترتيب الأولويات، فيشعر الطالب أن له دورا في سير العملية التعليمية بدل التهميش.
13 - يبدو أن نظام العقوبات في الجامعات غير فاعل وغير رادع، ما يجعل الطالب المعتدي غير مكترث. فلا بد من تغليظ العقوبات لتكون أكثر ردعا وعبرة لمن تسول له نفسه أن يقدم على افتعال مشاجرة أو عنف.
14 - على إدارات الجامعات فتح قنوات اتصال مع الطلبة مباشرة من خلال اللقاءات والاجتماعات الدورية، والاستماع الى قضاياهم واحتياجاتهم وما يجول في خواطرهم؛ وكذلك من خلال استبانات متضمنة أسئلة محددة توزع على الطلبة حول سير العملية التعليمية بعناصرها كافة.
لقد تحدث جلالة الملك المعظم إلى رؤساء الجامعات الحكومية مؤخرا، مؤكدا على أن العنف الجامعي خط أحمر. وقد كان حديث جلالته واضحا وصارما في ذلك، ورسالته يجب أن تصل إلى الجميع من دون استثناء.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تشجيع الاستثمار في قطاع الجامعات الخاصة (تيسير خرما)

    الأربعاء 4 كانون الثاني / يناير 2017.
    تحميل حكومة أعباء تعليم عالي يتيح فساد وإفساد وإهدار مال عام، فيجب إنسحاب وتحويل الوزارة لهيئة تنظيم ووضع خطة تشجيع استثمار بالجامعات الخاصة تشمل حظر ممارسات تمييزية أسست لمنافسة غير مشروعة من قطاع الجامعات الحكومية للخاصة بل يجب إضافة الجامعات الخاصة للقبول الموحد وتوزيع خريجي التوجيهي وطلاب المكرمات على كل الجامعات بدون استثناء بما فيها الخاصة وتخصيص أراضي لكل الجامعات بدون تمييز وتوزيع منح الحكومة لكل الجامعات بما فيها الخاصة وإلزام جامعات حكومية بمعايير تعليم عالي أو عقاب أسوةً بجامعات خاصة.