الجماعات الإرهابية والسعي إلى التأثير والبحث عن الهوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي

تم نشره في الأربعاء 4 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً

د. سعود الشرفات*

من جملة الأسئلة التي لم يجَب عنها -حتى الآن-  على خلفية العملية الإرهابية في قلعة الكرك (18 و19/ 12/ 2016)، أن هناك مستوى من التحليل للعملية يحتاج بحثا عميقا، ويتمثل بالأدوار التي لعبتها وسائل التواصل الاجتماعي (قبل العملية وبعدها). ثم ذلك الجهد الكبير الذي بذلته الحكومة لمحاولة السيطرة على فيضان الأخبار والمعلومات والفيديوهات والتسجيلات الصوتية التي رافقت العملية وأعقبتها.
تاريخيا، يعود اهتمام الجماعات والمنظمات الإرهابية الإسلامية (خاصة تنظيم "القاعدة") باستخدام الشبكات الإلكترونية، إلى قرابة عقدين من الزمن. وكان الهدف منذ ذلك التاريخ هو استخدام الشبكات للقيام بالقتال أو العمليات الإرهابية ("الجهاد"، حسب استخدام "القاعدة") بشكل مؤثر وفعال.
ثم أصبح الإرهاب على الشبكات (أو "الجهاد على الشبكات")، وبتسارعٍ مذهل، ظاهرة خطرة، بعد أن كان اتجاها فرعيا بسيطاً قبل 15 عاما. ويتجلى هذا الإرهاب ويعبر عن نفسه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ("فيسبوك"، و"يوتيوب"، و"تويتر"، و"تليغرام").
ويطرح استخدام الجماعات والمنظمات الإرهابية المعاصرة (خاصة الإسلامية)، مثل تنظيمي "القاعدة" و"داعش"، للشبكة ووسائل التواصل الاجتماعي، أسئلة عميقة وكثيرة، أهمها: كيف تقوم هذه المنظمات والجماعات (خاصة "داعش") بعملية احتكار الحقيقة والصواب في الإسلام وتسويقه ونشره بشكل معولم على شبكات الإنترنت التنافسية؟
تسعى الجماعات الإرهابية المعاصرة، مثل "القاعدة" و"داعش"، من وراء تنفيذ العمليات الإرهابية إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها:1 - جلب الانتباه على نطاق معولم؛ 2 - تسويق قضيتها على نطاق معولم؛ 3 - التجنيد وحث المسلمين على الانضمام إليها.
وتسعى هذه المنظمات والجماعات إلى تحقيق هذه الأهداف من خلال استخدام آليات العولمة التكنولوجية، وخاصة الاتصالات وشبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.
وكان تنظيم "القاعدة" الرائد في استخدام النشرات، والمدونات، و"يوتيوب"، ثم "فيسبوك" إلى حدٍ ما. وفي العام 2012، قامت "جبهة النصرة" (فرع "القاعدة" في سورية) التي تحولت أواسط العام 2016 إلى اسم "فتح الشام"، باستخدام تطبيق "تويتر" بشكل واسع.
لكن "القاعدة" فقد بعد العام 2013 بريقه وتأثيره وسيطرته لمصلحة تنظيم "داعش" الأكثر توحشا ودموية.
ويلاحظ أنه بعد قفز "داعش" إلى ساحة الصراع، قام بنقل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى المستوى العالمي؛ الأخطر والأكثر تأثيرا. إذ دفع التنظيم باستخدام "تويتر" إلى شكل أوسع، واستمر في ذلك حتى تعرض استخدامه إلى حملة من الإجراءات المضادة الواسعة من قبل الأجهزة الأمنية، خاصة في الغرب، في محاولة محمومة لاستهداف حسابات "داعش" ومؤيديه، لـ"فلترتها" وتعطليها.
وقد دفعت هذه الإجراءات التنظيم إلى الانتقال نحو تطبيق "تليغرام"؛ وهو وسيلة أكثر فعالية وسهولة واستعصاء على أجهزة مكافحة الإرهاب في العالم حتى الآن.
فبعد حملات مكافحة الإرهاب المكثفة ضد نشاط "داعش" على "تويتر"، تحوّل بسرعة كبيرة إلى "تليغرام"، حتى أصبح التطبيق الأكثر خطورة واستخداما من قبل "داعش"، في محاولة "بناء الهوية"؛ بتكريس وتعميق هويته الشخصية كمدافع عن المسلمين في العالم، ونشر أفكاره وتجنيد الأعضاء، وإرشادهم في أوروبا، خاصة عملية جذب وتجنيد المقاتلين الأجانب.
ويقدر بعض خبراء إرهاب الشبكات، مثل نيكو بروشا من جامعة فيينا، أن استخدام "داعش" لتطبيق "تليغرام" شهد نقلة نوعية مع بداية العام 2016، حتى بات ينشر عليه الآن أكثر من 30000 رسالة أسبوعياً.
وقد قام "داعش" من خلال هذا التطبيق، بنشر وبث كم هائل من المواد المكتوبة باللغة العربية، والصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية. وكان أهمها تعميم استخدام كلمة "الدولة" الإسلامية. كما قام داعش باستخدام الكثير من الأدبيات التي أنتجها منظرو الجماعات الإرهابية الإسلامية منذ الثمانينيات، بإعادة إنتاجها وتوزيعها على نطاق عالمي، في سبيل "بناء الهوية"، أو ما يمكن أن نطلق عليه "الأيديولوجيا" التي يمكن أن تعمّق وترسخ دينيا وإبستمولوجياً مفهوم "الخلافة"، من خلال توضيح: من هو تنظيم "داعش" أو من هم المجاهدون؛ وما القضية التي يقاتلون من أجلها؛ وضد من يقاتلون.
ومنذ بداية 2016، استطاع التنظيم استخدام "تليغرام" لاستهداف قطاع عالمي واسع وعميق جدا من المؤيدين، خاصة في أوروبا، من خلال استخدام الكاميرا والتصوير الذي يتيحه هذا التطبيق لربط "العالم الافتراضي" للمقاتلين الأجانب بـ"العالم الواقعي"، عن طريق استخدام وتوظيف هؤلاء المقاتلين الأجانب والعرب كمقاتلين من خلف الكاميرا، بدلا من أن يضطروا للمشاركة في القتال الحقيقي.
قد يساعد هذا العرض الموجز لأهداف "داعش" من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، في جهود مكافحة الإرهاب والتطرف الديني وعملية تقييمنا  للعمليات الإرهابية التي استهدفت الأردن خلال العام الماضي (عملية إربد، مخيم الركبان، البقعة، اغتيال الكاتب ناهض حتر، وقلعة الكرك)، والاستعداد مستقبلا لأي عمليات مشابهة؛ بدل إضاعة الوقت واستهلاك طاقاتنا البشرية، وإنفاق المزيد من الأموال في محاولة مستحيلة للسيطرة على حرية وتنافسية شبكة الإنترنت وخروجها عن السيطرة.

*مدير مركز شُرُفات لدراسات العولمة والإرهاب

التعليق