"الترامبية" ومائة عام من التنظير

تم نشره في الخميس 5 كانون الثاني / يناير 2017. 12:03 صباحاً

لعل من المقبول تذكُّر أن ظهور الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، والفريق المرافق له الذي تتضح معالمه تدريجياً، يتزامن مع الذكرى المئوية لظهور أمرين وسما النصف الأول من القرن العشرين. أولهما، التنظير الليبرالي للعلاقات الدولية. وثانيهما، ظهور النازية والفاشية. وإذا قارنا الوضع الراهن بالوضع قبل مائة عام، فإن بوادر التنظير الفاشي وخطاب القوة، يظهران، لكن من دون أي تنظير ليبرالي، كما كان عليه الأمر قبل قرن من الزمن.
كانت الولايات المتحدة الأميركية هي التي ظهر فيها التنظير الليبرالي للعلاقات الدولية، على يد الرئيس الأميركي ودرو ويلسون (1913-1921)، في دعوة إلى نظام دولي يحاول أن يستنسخ فكرة تأسيس المجتمع والدولة؛ بتأسيس ما يشبه حكومة عالمية (عصبة الأمم والقانون الدولي)، بحيث يصبح هناك مجتمع دولي وجهة عالمية تطور قوانين وتنفذها، بدل حالة الصراع بين الدول. وأخذ هذا التنظير مداه ونشأ علم العلاقات الدولية، وصارت له فروع في الجامعات، انطلاقا من العام 1919، عندما تأسس في بريطانيا أول قسم للعلاقات الدولية في الجامعات. لكن وبالتوازي، ظهرت الفلسفات القومية المتطرفة، مثل الفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا، والتي ترفض فكرة المجتمع الدولي وحرية التجارة والقانون الدولي، وتؤمن بالقوة. وكانت النتيجة هي الحرب العالمية الثانية، منتصف الأربعينيات. ورغم أنّ النظرية الواقعية نشأت في أعقاب هذه الحرب، أو بالتوازي معها، وقامت على تأكيد دور الدولة في حماية ذاتها ومصالحها، فإن الحقيقة أنّ مجتمعا دوليا، شبه ليبرالي، نشأ عبر تأسيس الأمم المتحدة، ومنظمات واتفاقيات دولية كثيرة. واستمر هذا النظام رغم عثراته الكثيرة، ووقوعه رهينة في يد القطبين الكبيرين؛ الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وحقق الكثير من التقدم. وعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يعد متخيلا قيام دولة من دون اعتراف من الأمم المتحدة، وهو أمر لم يكن مهماً العام 1917 على سبيل المثال.
ما حدث منذ نهاية الحرب الباردة هو أنّه بالتوازي مع تنظير من قبل أشخاص مثل فرانسيس فوكوياما والمحافظين الجدد في إدارة جورج بوش الابن وحولها (من أمثال تشارلز كروثامر وجون بولتون وريتشارد أرميتاج وبول وولفويتز وريتشارد بيرل وغيرهم)، الذين تحدثوا عن أن عصر الليبرالية الأميركية قد جاء، وأن التجارة الحرة ونشر الديمقراطية مهمتان، فإنهم قالوا إنّ هذا يمكن نشره بالقوة العسكرية. وهؤلاء جميعاً، وبدرجات متفاوتة، أهملوا أو عادوا الأفكار الولسونية (رغم زعمهم أنهم ينتمون لأفكار ومدرسة ويلسون) فيما يتعلق بالمنظمات والمؤسسات الدولية. وكانت أفكارهم طبعة جديدة للفكر الاستعماري الفاشي الذي يؤمن أن شعبا ما عنده قيم حضارية يجب عليه نشرها حول العالم، ولو بالقوة؛ وأن شعوب العالم ستسعد بما سموه "الهيمنة الرحيمة". بل إنّ بعض منظّري الليبرالية الجديدة في العلاقات الدولية (وهم فريق مختلف عن المحافظين الجدد)، اخترعوا مفهوم "استقرار الهيمنة"، ومفادها أن دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، قد تلعب دور السلطة المركزية والشرطي العالمي، ودور حاكم العالم، بدلا من الأمم المتحدة، فكان هناك عملياً تنظير للهيمنة العالمية، يُجمع عليه الليبراليون والمحافظون الجدد، ولا يكاد يشذ عنهم إلا بعض الواقعيين. وللمفارقة، كان هنري كيسنجر أحد هؤلاء، ولكن الواقعيين أيضاً لا يؤمنون كثيراً بالقانون الدولي والمنظمات الدولية.
لقد كانت النظرية التي نشأت بعد الحرب الباردة هي ما يعرف باسم "النظرية البنائية" (النظرية الاجتماعية في العلاقات الدولية)، والتي تركز على أهمية الهوية والأفكار والعلاقات الاجتماعية والثقافية في السياسة الدولية. وهذه النظرية تحاول فهم العالم أكثر من أي محاولة للتأثير فيه، كما حاول الليبراليون الكلاسيكيون بقيادة وودرو ويلسون.
نحن أمام عالم جديد، فيه تنظير للقوة وضرورة أن تكون المنظمات الدولية في خدمة القوي، كما يقول ترامب ومنظرون أميركيون مثل جون بولتون. ولدى ترامب استراتيجية كبرى، هي التحالف مع روسيا ضد الصين، وإسكات أي دولة تعارض الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا يتحمس ترامب حتى لمقولات نشر الديمقراطية، فهو يجسد "القومية الأميركية" العارية.
السؤال: هل يمضي هذا العالم إلى الصراع والفاشية بأسماء جديدة؟ أم أنه مثلما انتشر التنظير الليبرالي في التفكير، وطغت الفاشية والنازية في الواقع، في النصف الأول من القرن العشرين، يمكن أن يهزم الواقع هذه القوى والتنظيرات الفاشية الجديدة "الترامبية"؟

التعليق