التحذير من ثقافة الحُبّ

تم نشره في الجمعة 6 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً

معاذ بني عامر

كنتُ قد كتبتُ مؤخراً سلسلة من المقالات في "الغد" -منها: 1- في ثقافة الحب؛ 2- تدمير الذات العربية: الأفق المنشود؛ 3- عن محمد عابد الجابري ونانسي عجرم؛ 4- المصافحة والمصارحة والمسامحة: دعائم المصالحة الإنسانية... إلخ- تحدثتُ فيها، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، عن ثقافة الحُبّ التي ستتجلّى في تعزيز مسلكيات الاعتراف بحقّ الآخر في الاختلاف، بطريقة لا تجعل من أحكامنا على الآخرين أحكاماً ذات طابع قيمي (سياسياً/ دينياً/ اجتماعياً/ سيكولوجياً/ طائفياً/ وطنياً/ أيديولوجياً... إلخ) يتم بموجبه فرز الناس إلى أخيار وأشرار، والعمل من ثمّ –كتجلٍّ لهذا الفرز الحِدِّي- على تصفية الخصوم على المستويين الجسدي والمعنوي.
اليوم، إذ أفتتحُ هذا العام بمقالة تحذيرية من ثقافة الحُبّ، فإني أرصد ظاهرة الكراهية في العالَم العربي –ويا للحزن علينا جميعاً- والأحقاد السيكولوجية التي تُغذّي هذه الظاهرة المميتة، وتدفع الناس إلى نبذ بعضهم بعضاً، إلى حدّ يصبح معه التنظير للإبادات الجماعية عملاً بطولياً لدى الأتباع والمُريدين.
المفارقة الكبرى أن هذه الثقافة التحذيرية من الحُبّ، والدفع باتجاه الكراهيات والأحقاد والثأريات، ستتجلّى لدى المُثقّف أكثر من تجلّيها لدى الإنسان العادي؛ فهو يملك من الأدوات المعرفية التي تجعله يُؤكّد اندفاعاته السيكولوجية ضدّ الآخر، تأكيداً عقلياً، بطريقة تُريح ضميره؛ ففعله التدميري تجاه الآخر له ما يُبرّره على المستوى العقلي.
وبهذا سيصير العقل أداةً تدميرية، لا أداةً بنائية لدى المُثقّف، ويعود به القهقرى إلى زمنٍ قديم، لا فرق فيه بينه وبين الحيوانات الضارية. فالعقل وما رافقه من عمليات وعي معرفي، انتقل الإنسان بموجبها من مرحلة غريزة الفتك والتدمير إلى مرحلة الضبط والبناء، سيتحوّل مع هكذا مثقّف إلى أداة مُضادة لغرضها الأساسي؛ فهو كطفلٍ أعطيته قنبلة هيدروجينة لكي يلعب بها، فكانت النتيجة كارثية بكلّ معنى الكلمة.
لربما تمّ فهم حالة الجماهير الغاضبة بصفتهم يخضعون لسيرورة تاريخية دفعت –على مدار قرون طويلة- باتجاه تنامي الكراهيات والأحقاد وما رافقها من عمليات إلغاء وشطب واستئصال لكلّ المخالفين. فالاندفاعات لهكذا جماهير يمكن تفهّم حالتها الغرائزية إذ تنطلق المشاعر السلبية من عقالها، وتبدأ بالاشتغال على أرض الواقع. لكن ما لا يمكن تفهّمه –إلا إذا تُعومل مع هذه الحالة على أنها نوع من الحنين التطبيقي لغريزة الإفناء والتدمير- هو وجود مثقّف ليس لديه القدرة على التعامل بعقلانية مع ثقافة تعصف بالمجتمعات العربية وتأكل الأخضر واليابس، بل يندفع هو الآخر –بما يدينه أخلاقياً أولاً ومعرفياً ثانياً- اندفاعات سيكولوجية عنيفة، لتأكيد هذه الثقافة وتعزيز مسلكياتها، مُدّعياً –المرة تلو الأخرى- أنّ الحقّ له لا عليه، لذا ينبغي أن تكون المبادرة من الطرف الآخر لا منه. فالعصمة الملائكية التي تحيط به تمنعه من التقدّم خطوة ناحية الأمام ومدّ يده للمصافحة وعقله للمصارحة وقلبه للمصالحة، بل على الآخر –بصفته خطَّاءً بالضرورة- أن يتقدّم هو. لكن المفارقة الأعنف هي أن الآخر ينظر للآخر على أنه هو الخطَّاء بالضرورة، مقابل أحقية الذات؛ لذا يبقى الدوران في الحلقة المفرغة هو سيد الموقف من دون منازع.
أنا اقول: لكي نتقدّم ناحية الأمام، على أحدٍ ما –وهنا ستتجلّى الفردانية الإيجابية في واحدة من أنبل معانيها الإنسانية- أن ينظر إلى:
1- يده التي سيُصافح بها، ويعمل على تنظيفها، معتبراً –الأمر مؤلم على المستوى الشخصي، لكنه ضروري على المستوى الحضاري- أن اليد الأخرى يد نظيفة، لذا من الواجب أن تكون يدي نظيفة وجديرة بتلك اليد التي سأصافحها وأبدأ معها حياة جديدة وجديرة بأن تُعاش.
2- عقله الذي سيُصارح به؛ إذ يعمل على تدريبه على الإنصات لوجهات نظر الآخرين، لغاية التعامل معها تعاملاً "نقدياً" لا تعاملاً "كيدياً"، فالحقيقة مُفتّتة في عقول البشر جميعاً، لا في عقل شخص واحد، لذا يصبح البحث عنها مأثرة الإنسان المُبدع. فهو إذ يُنصت إلى وجهات نظر الآخرين –تحديداً إذا كان أحادي التفكير- فإنه يدخل في نوع من التدريب على ما هو صعب على المستوى الشخصي، لكنه مُثمر على المستوى الحضاري، ففي نهاية المطاف لن تقوم الحياة على كتف إنسان بعينه، بل لا بد من عقول الناس جميعاً، لكي تستند عليها دعامات الحضارة الإنسانية.
3- قلبه الذي سيُصالح به، معتبراً أنَّ ثمة نقطة سوداء في قلبه، وأخرى بيضاء في قلب خصمه. فالأولى بحاجةٍ إلى طهارة داخلية، والثانية بحاجةٍ إلى بناء خارجي، لكي تكتمل سلسلة البناء والإعمار بين الإخوة الأعداء. فوصل الحلقات ولو على حساب الذات –ولا سيما في الأوقات العصيبة- شيء نبيل وعظيم، تدفع بالإمكان الإنساني ناحية رحماتٍ مُتنامية، ستؤثّر علينا وعلى الأجيال المقبلة إيجابياً، كما أثرّت علينا وعلى من سبقونا ثقافة الكراهية تأثيراً سلبياً.
أعرف أنّ ما أدعو إليه صعب ومضادّ لما نحن عليه الآن، لكنه ليس مستحيلاً. لذا، جدير بنا أن نتجاوز ما هو سهل ومُدمّر، ونتموقع فيما هو صعب ومُثمر، ويمكن أن يُفجّر فينا مكامن الرحمة والمحبة والغفران، على حساب ما فُجِّرَ فينا من كراهيات وأحقاد وثأريات وأنفجرنا بسببها، فلم يعد لنا مكان في هذا الوجود إلا انتظار من يقتلنا أو نقتله.

التعليق