النظام العالمي الجديد في 2017

تم نشره في السبت 7 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً

روبرت سامويلسون – (الواشنطن بوست) 1/1/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ثمة سؤال ملح ومهم، والذي سيشكل العام 2017، هو ما إذا كنا نشهد الاضمحلال التدريجي للنظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية الذين هيمنت عليه القوة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة الأميركية.
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991، أصبح من المألوف أن نتحدث عن الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة الحقيقية. سوف تعزز "باكس أميركانا" السلام والازدهار. وسوف تجمع العولمة والتجارة البلدان معاً. وسوف تتم محاكاة النموذج الأميركي الاقتصادي والسياسي، ومزج الأسواق والإشراف الحكومي. وسوف تعزز مستويات المعيشة الأعلى الأفكار والمؤسسات الديمقراطية.
بالقدر الذي يخص القوة العسكرية الخام، لم يستطع أي بلد تحدي الولايات المتحدة. وبدا أن حرب الخليج 1990-1991 تثبت هذه الفكرة. وبطبيعة الحال، كانت هناك الأسلحة النووية المخيفة، لكنها بدت مجمدة بطريقة آمنة. كانت دول قليلة تمتلكها، وكانت أكبر الترسانات النووية، الأميركية والروسية، محيدة بفعل فهم مشترك قوامه أن الجميع سيخسرون في أي اشتباك نووي. وكان المسرح مهيأ لما وصفه أحد المعلقين البارزين بأنه "نهاية التاريخ".
لكنه لم يكن كذلك. فبكل وضوح، لم تعد هذه الرؤية المطمئنة تصف العالم الحقيقي، إذا كانت قد فعلت ذلك أصلاً. وعلى كل الجبهات، يقوم المستقبل الفعلي بتفنيد المستقبل المتخيّل.
تباطأت الاقتصادات في جميع أنحاء العالم. وفي كل دولة كبرى تقريباً –الولايات المتحدة، والصين، وألمانيا- تراجع النمو عما كان عليه ذات مرة، خالقاً تباطؤاً عالمياً. وعلى نحو ليس مستغرباً، فشلت الصلة المفترضة بين تحقيق الازدهار الأكبر وبين السياسات الديمقراطية في التحقق.
توازت خيبة الأمل الديمقراطية مع خيبة الأمل الاقتصادية. وأصبحت العولمة والتجارة محلاً للنزاع، حيث اتهمتا بخفض الأجور والوظائف للعمال الصناعيين في المجتمعات المتقدمة. ومع شيخوخة السكان، أصبحت الحكومات في تلك البلدان مثقلة بالتزامات فوق طاقتها. وهي تكافح من أجل دفع استحقاقات الرعاية الاجتماعية المكلفة. وبدل أن يعمل الرأي العام على تقوية المثُل الديمقراطية، انحرف هذا الرأي في اتجاه الشعبوية الاقتصادية والقومية: مرحباً بـ"بريكست" ودونالد ترامب.
كما أن فكرة وجود قوة عظمى وحيدة باقية لم تبدُ حقيقية تماما أيضا. فالقوة هي قدرتك على الحصول على (أو أخذ) ما تريد. وبهذا المعيار، تكون كل من الصين وروسيا قوى كبيرة بنفس الأهمية. وفي الحقيقة، ربما يكون نفس مصطلح "قوة عظمى" مضللا أو عفا عليه الزمن. ولا تستطيع الولايات الحصول على كل شيء تريده عن طريق إرسال القوات إلى المناطق الساخنة.
أخيراً، أصبح الإجماع النووي متهالكا. فلدى كوريا الشمالية أسلحة نووية؛ وإيران قد تحصل عليها في يوم ما. وكلما زاد عدد الدول التي تمتلك أسلحة نووية، كلما زاد احتمال أن يرتكب أحد ما سوء تقدير كارثي.
بعد الحرب العالمية الثانية، عثرت الولايات المتحدة على استراتيجية عالمية: سوف تحمي حلفاءها عسكريا، بينما تأمل في أن يعمل السلام على تعزيز مجتمعات مزدهرة ومستقرة وديمقراطية. وسوف يتم رفض القبول النفسي والسياسي للشيوعية. وعلى الرغم من النكسات الكثيرة، نجحت تلك الاستراتيجية بشكل عام؛ فأعادت أوروبا واليابان بناء نفسها؛ وفشل الاتحاد السوفياتي؛ وفقدت الشيوعية مصداقيتها.
كان هذا السرد هو الذي سعت الولايات المتحدة إلى إسقاطه على النظام العالمي لما بعد الحرب الباردة. لكن ما لم نتوقعه كان رد فعل الدول الأخرى، وتعقيدات التاريخ.
أصبح النظام الدولي اليوم في حالة تغيُّر مستمر لعدة أسباب. وبدءا من الصين وروسيا، ثمة الكثير من الدول التي تشعر بالاستياء من دور الولايات المتحدة القيادي. كما تعب الكثير من الأميركيين منه أيضاً. وتقوم التكنولوجيات الجديدة (خاصة التجارة الإلكترونية والحرب السيبرانية) بالمزيد من إعادة توزيع القوة والنفوذ.
الغريب في الأمر هو أن القادة الأميركيين أسهموا في بعض الأحيان في تراجع قوة الولايات المتحدة. ويتم الشعور بازدراء باراك أوباما للقوة العسكرية بشكل عميق، وهو مرئي بوضوح ، حتى أن استخدام القدرات القتالية للولايات المتحدة أصبح في كثير من الأحيان خارج الحساب بالنسبة للحلفاء والخصوم على حد سواء، كما هو الحال في سورية. وينطوي هذا الواقع على تداعيات، كما كتب الزميل ريتشارد كوهين، عن دراية:
"منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت القيادة الأميركية أساسية للحفاظ على السلام العالمي. وسواء أحببنا ذلك أم لا، كنا نحن شرطي العالم. لم يكن هناك أي شرطي آخر في المكان. والآن ذهبت هذه القيادة. ولذلك، وعلى نحو متزايد، سوف يكون هناك سلام".
لدى ترامب أفكاره الخاصة عن إضعاف النظام الدولي. وحقله المختار هو التجارة. وهو يهدد بفرض رسوم إضافية صارمة على واردات الولايات المتحدة من الصين والمكسيك. وإذا قامت هذه الإجراءات بإشعال حرب تجارية، فإن الآثار الجانبية الضارة ربما تأتي برد فعل عكسي على العاملين في الولايات المتحدة وشركاتها. وكانت المرة الأخيرة التي تمت فيها محاولة استخدام الحمائية الجماعية كوسيلة للتحفيز الاقتصادي هي فترة الثلاثينيات؛ ولم تنته تلك التجربة إلى خير.
وهناك قضية أكبر هنا. في كتابه "النظام الدولي"، يقول هنري كسينغر أن العالم يكون في أكبر قدر من الخطر عندما ينتقل النظام الدولي من نظام إلى آخر. ويكتب كسينغر: "الضوابط والقيود تختفي، ويصبح الميدان مفتوحاً لأكثر المساعي توسعية ولأكثر اللاعبين عناداً. والفوضى تعقب إلى أن يتم تأسيس ترتيب جديد للنظام". وهو تحذير واقعي تماماً.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 The new world order, 2017

التعليق