فهم دور أميركا العالمي في عصر ترامب

تم نشره في الأحد 8 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً
  • جنود من الجيش الأميركي في مناورة عسكرية - (أرشيفية)

رودجر بيكر – (ستراتفور) 3/1/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة


بطبيعة الحال، يشكل دخول سنة جديدة وقتاً يتأمل فيه الكثيرون الماضي، وينظرون منه في اتجاه المستقبل. ويوفر الماضي الدروس والتحذيرات المحتلمة لأولئك الذين يسعون إلى العثور على حلول المستقبل في تصرفات الأمس. وفي كتابه "الدبلوماسية" الذي صدر في العام 1994، كتب وزير الخارجية الأميركية السابق، هنري كيسنجر: "لا تعرض دراسة التاريخ أيَّ دليل استخدام يضم تعليمات يمكن تطبيقها بشكل آلي؛ التاريخ يعلمنا عن طريق القياس، وإلقاء الضوء على التداعيات المحتملة للمواقف المتماثلة. لكن على كل جيل أن يقرر لنفسه الظروف التي تكون قابلة للمقارنة فعلاً".
في حين كان كسينجر واضحاً إزاء دراسة التاريخ وتطبيقه على السياسة، فإنه يصر بالمقدار نفسه على أن لا يُساء استخدام التاريخ، وعلى أن لا يفضي تقييم الماضي إلى استنتاجات خاطئة للحاضر أو المستقبل. واليوم، يعاود مبدأ "السلام من خلال القوة" الذي روجه الرئيس رونالد ريغان في الثمانينيات الظهور كشعار لإدارة ترامب المقبلة ومستشاريها وأنصارها. ويكمن الخطر في إنهاض شخصيات وسياسات أيقونية من التاريخ الأميركي في أنه ربما يُساء تطبيق الدروس عن غير قصد. وقد تكون المفاهيم سليمة، لكن التفسير والتطبيق في سياق مختلف ربما يقودان إلى نتائج مختلفة.
السلام من خلال القوة
شكل مبدأ "السلام من خلال القوة" حجر زاوية لإدارة ريغان، في تأكيد أن وجود ولايات متحدة قوية كان ضرورياً لضمان السلام والاستقرار الدوليين عن طريق إظهار عبثية تحدي القوة الأميركية. لكن الزمن تغير، وأصبح النظام العالمي مختلفاً تماماً عما كان عليه خلال حقبة الحرب الباردة، والتهديدات تغيرت وتطورت، وربما تكون ميثولوجيا ريغان قد حلت محل حقيقة التاريخ. ويجدر النظر في ما عناه مبدأ السلام من خلال القوة في الماضي، وما يمكن أن يعنيه في الحاضر، وربما الأهم من ذلك، كيف يمكن أن يقيس المرء القوة الأميركية في العصر الحديث.
من الصعب التوفيق بين بعض اقتراحات السياسة الأميركية الحالية -التراجع عن التجارة الحرة، وزيادة الرسوم الجمركية، وخفض الدور العالمي للولايات المتحدة وترك الحلفاء ليدافعوا عن أنفسهم بأنفسهم- وبين الأسس التي يقوم عليها مبدأ السلام من خلال القوة الريغاني، الذي شجع على التجارة الحرة، وانتهاج سياسة خارجية نشطة، والدعم القوي للحلفاء البعيدين. لكنها أيضاً لحظة مختلفة جداً في التاريخ.
جاء ريغان إلى المنصب في زمن كانت فيه أسعار الفائدة تتكون من رقمين والذي كان يشهد أسواق نفط فوضوية، في عالم ثنائي من الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة في مقابل الشرق السوفياتي، وفي أعقاب إعادة تقييم استخباراتية أميركية رئيسية لحجم التهديد السوفياتي، النووي والتقليدي. وكان هيكل الاقتصاد الأميركي ما يزال قائماً على التصنيع، مع مكون تصدير قوي، وكانت ثورة الحاسوب القادمة تبدأ للتو. بل إن ريغان لاحظ في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه في العام 1983 أنه "بالنسبة للكثيرين منا الآن، فإن أجهزة الكمبيوتر، ورقائق السيلكون، ومعالجة البيانات، والتحكم الآلي، وكل الابتكارات الأخرى لعصر التكنولوجيا الفائقة الذي يبزغ فجره، تصنع كلها نفس شعور الدهشة الذي لا بد أن يكون قد صنعه محرك الاحتراق الداخلي عندما لامس أول نموذج من طراز تي شارع "مين ستريت" في الولايات المتحدة الأميركية"، وهو تعليق أصبح يبدو الآن أقرب إلى الطرافة بالنظر إلى حيواتنا التي تحركها التكنولوجيا اليوم.
في الاتحاد السوفياتي، كان أمام ريغان تهديد أجنبي رئيسي واحد ليتعامل معه، وقد قرن سعيه إلى تطوير أنظمة الدفاع الصاروخي (لتحييد الميزة في الصواريخ السوفياتية) بدعوات إلى خفض الأسلحة النووية. وكان المقصود من مبدأ "السلام من خلال القوة" هو ردع الهجمات النووية والتقليدية ضد الولايات المتحدة وحلفائها من الاتحاد السوفياتي وحلفائه.
في خطابه إلى الأمة في شهر آذار (مارس) 1983 الذي تناول فيه مواضيع الدفاع والأمن، شرح ريغان مبدأ "السلام من خلال القوة" على أنه تطبيق لسياسة ردع. وقال: "منذ فجر العصر النووي، سعينا إلى تقليل مخاطر الحرب عن طريق الاحتفاظ برادع قوي، وعن طريق السعي إلى سيطرة أصيلة على الأسلحة. ويعني "الردع" ببساطة ما يلي: التأكد من أن الخصم الذي يفكر بمهاجمة الولايات المتحدة، وحلفائنا، أو مصالحنا الحيوية، سيستنتج أن المخاطر التي تتهدده ترجح على المكاسب المحتملة. وبمجرد أن يدرك ذلك، فإنه لن يهاجم. إننا نحافظ على السلام من خلال قوتنا؛ الضعف يغري بالعدوان فقط".
وقبل شهرين من ذلك، في خطابه عن حالة الاتحاد، سلط ريغان الضوء على المكون العسكري والاقتصادي المزدوج لسياسة السلام من خلال القوة، فقال: "استراتيجيتنا للسلام مع الحرية يجب أن تكون مستندة أيضاً إلى القوة -القوة الاقتصادية والقوة العسكرية. إن وجود اقتصاد أميركي قوي هو أمر أساسي لرفاه وأمن أصدقائنا وحلفائنا. كانت استعادة اقتصاد أميركي صحي وقوي -وستظل- من الأعمدة الرئيسية لسياستنا الخارجية". هكذا تم ربط المفاهيم المزدوجة لاقتصاد محلي أميركي قوي وقدرات دفاع قوية معاً في استراتيجية واحدة ذات تركيز عالمي.
التقطت الإدارة الأميركية القادمة هاتين الفكرتين واستعادت مبدأ "السلام من خلال القوة". وموطن التركيز هو إعادة بناء الاقتصاد الأميركي من خلال التصنيع، وتطوير البنية التحتية والإصلاح الضريبي، وتقوية الدفاع الأميركي في جزء منه من خلال توسيع القدرة النووية، لكن الظروف الآن أصبحت مختلفة. لم يعد التصنيع والصادرات يتمتعان بالأهمية نفسها للاقتصاد الأميركي، وخلقت التكنولوجيا قطاعات جديدة بالكامل من النشاط الاقتصادي، كما توسعت الأنماط التجارية إلى شبكات هائلة تغطي مختلف القارات. وأسعار الفائدة التي كانت مزدوجة الرقم عندما تولى ريغان منصبه، بالكاد ترتفع اليوم عن مستوياتها الدنيا القياسية، وما تزال أسعار النفط تحوم حول أدنى مستوياتها أيضاً، بينما الإنتاج المحلي الأميركي في ارتفاع. كما طورت التكنولوجيا أدوات الحرب والاضطراب ونقلته إلى عالم الشبكة العنكبوتية، مخفضة السرعة والثقة في التعرف على الجاني، ومغيرة النظرة إلى المخاطر والمكافآت بالنسبة لسلطات الدولة، وكذلك للجهات الفاعلة من غير الحكومات.
وليس هناك الاتحاد السوفياتي، بطبيعة الحال. وبدلاً من وجود قوة عظمى واحدة منافسة، تواجه الولايات المتحدة اليوم ظهور قوى إقليمية عدة، وليست إحداها خصماً بالضبط، لكن كل واحدة منها تسعى إلى تأكيد مصالحها الخاصة في وجه المهيمن العالمي الوحيد المتبقي. ولا يُنظر إلى هذا التهديد على أنه معركة بين القوى العظمى المسلحة نووياً بقدر ما هو صراع ضد اللاعبين من غير الدول، بحسابات مختلفة جداً للمخاطر والمكافآت. وليس من الواضح، على سبيل المثال، ما إذا كانت قوة نووية قوية ستردع هجوماً إرهابياً تشنه جهات فاعلة من غير الدول أو المتعاطفون معها. ولم تستطع حتى ردة الفعل العسكرية الأميركية واسعة النطاق في أفغانستان بعد هجمات 11/9 أن تمنع الظهور اللاحق لتنظيم "الدولة الإسلامية" أو تشجيعه على شن الهجمات ضد أميركا ومصالحها، وأرضها نفسها.
لم يكن مبدأ ريغان "السلام من خلال القوة" يتعلق ببساطة بمجرد جعل أميركا عظيمة. وقد أكد ريغان أن أميركا كانت عظيمة مسبقاً، لكنها واجهت بعض المشاكل فحسب. وكانت سياسته هي جعل أميركا قوية داخلياً وخارجياً بحيث تستطيع الاضطلاع بمهمتها العالمية الأوسع المتمثلة في نشر الديمقراطية. وقامت سياسات ريغان على إدراك أن الاستثنائية الأميركية لا تُستمد فقط من كون أميركا قوية، وإنما من مسؤوليتها عن نشر النظام الأميركي إلى البلدان الأخرى. وفي مجاز البطل السوبرمان الفائق، تجيء المسؤولية الكبيرة مع القوة الكبيرة.
المنارة في مقابل التبشير
شكلت الاستثنائية منذ وقت طويل الأساس المفاهيمي للسياسة الأميركية الخارجية والداخلية. وتديم أساطير أميركا المؤسِّسة فكرة أن هذا بلد فريد، واحد قطَّر نظام حكم وحريات شخصية لم يأت كنتيجة للظروف المحلية فقط، وإنما هو كونيٌّ من حيث التطبيق. وقد تركَّز النقاش بين أوساط القيادة الأميركية، كما أوضح كيسنجر، على ما إذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تكون ضوءاً على التل، ومنارة شبه معزولة -وإنما مشرقة حتى يحاكيها الآخرون- أو أن تكون مُبشراً نشطاً، وأن تلعب دوراً مباشراً في نقل المبادئ والأنظمة الأميركية إلى العالم.
لم يكن ريغان صاحب نزعة انعزالية؛ ولم يسع إلى إعادة التخندق أو الانسحاب من الدور العالمي للولايات المتحدة. وبدلاً من ذلك، روج لفكرة الأممية، والتجارة الحرة، والدعم المالي والدفاعي النشط للحلفاء، ومنهج العمل في الشؤون الدولية. وسعت إدارة ريغان من خلال القوة إلى تكوين قدرة أكبر على الوفاء بما رأى أنه دور الولايات المتحدة كقائد للغرب، وجالب للديمقراطية، ونبراس للعالم.
إنها هذه المهمة الأوسع هي التي يظهر، على السطح على الأقل، أنها غائبة عن تعبير الإدارة القادمة عن "السلام من خلال القوة". إن أميركا استثنائية، لكنها استثنائية ووحيدة، مسؤولة عن نفسها، وإنما ليس عن الآخرين. والهدف هو جعل أميركا عظيمة، وإنما ليس من الواضح لأي غاية. في جزء منه، ربما يكون هذا رد فعل عريض على التصور القائم بأن إدارة أوباما الحالية بدت وأنها تركز في كثير من الأحيان على المصالح، والمخاوف، وعلى التفضيلات اللفظية للآخرين أكثر مما تركز على مصالح ومخاوف الولايات المتحدة. وفي الفترات الانتقالية، يتأرجح البندول كثيراً قبل أن يعود قليلاً في اتجاه المركز. كانت سياسات ريغان بعيدة تماماً عن سياسات سلفة، وقد شكل باراك أوباما نفسه كنقيض لما كان مكروهاً بوصفه ميول رعاة البقر التي انتهجتها إدارة جورج دبليو بوش. ومع ذلك، كانت هناك في كل حالة حقائق النظام العالمي التي تخفف على الأقل بعضاً من الخلافات الخطابية والأيديولوجية ، أو تطبيقها على الأقل.
ربما يكون أكبر تحد ماثل الآن ببساطة هو فهم كيفية قياس القوة الأميركية في العالم المعاصر. فخلال حقبة الحرب الباردة، أنتج مجتمع المخابرات ما يدعى "التقدير الصافي" و"تقديرات الاستخبارات القومية" للرئيس والإدارة، لقياس التوازن الصافي بين مختلف جوانب القوتين الأميركية والسوفياتية، وتلك الخاصة ببنى تحالفاتهما. وشملت هذه المقارنات العناصر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبطبيعة الحال، العسكرية، ولو أن الأخيرة كثيراً ما اتجهت إلى المقارنات العددية والكمية أكثر من توفيرها نظرة شمولية لفعاليتها الكلية. وأدى تفكك الاتحاد السوفياتي والكتلة الشيوعية إلى رجحان واضح للقوة الأميركية، الاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية.
لكن تلك الفجوة الهائلة أصبحت تضيق، ولا يأتي ذلك بالضرورة نتيجة تراجع كلي في القوة الأميركية، وإنما على الأغلب بسبب صعود قوى إقليمية –خاصة الصين وعودة صعود روسيا، وإنما أيضاً ظهور تجمعات إقليمية أصغر، والتي تشهد نمواً اقتصادياً وعسكرياً. ويقول الكثيرون في جميع أنحاء العالم إن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تظل القائد العالمي الافتراضي، وأن الدول الأخرى لها الحق في أخذ دورها في قيادة عالمية أكثر اتساعاً، وأن المثُل الأميركية ليست عالمية، ولذلك لا يجب التأكيد أنها كذلك. كما يخلق تفرق القوة العالمية أيضاً تفككاً للمثُل العليا العالمية. كما أن المقاومة المحلية لما يُفهم على أنه إفراط في العولمة أصبحت قوية، وتتعرض قدرة الولايات المتحدة على تأكيد مثُلها وحقها في قيادة النظام العالمي للتحدي باطراد من الخارج والداخل على حد سواء.
في القوة النسبية، تفقد الولايات المتحدة الأرضية، خاصة بمقاييس فترة ما بعد الحرب الباردة. لكن هذا لا يعني أن أي قوة مفردة أخرى سوف تتفوق قريباً على الولايات المتحدة. ما تزال الولايات المتحدة أكبر اقتصاد مفرد، وأقوى قوة عسكرية مفردة في العالم. وربما لا يدور السؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك القوة، وإنما يتعلق بكيف تنوي أن تستخدم هذه القوة، وما إذا كانت لدى الولايات المتحدة رؤيةٌ تتجاوز رؤيتها لذاتها.


*نشر هذا التحليل تحت عنوان: Understanding America's Global Role in the Age of Trump

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق