محمد أبو رمان

"واجباتنا المنزلية" المهملة!

تم نشره في الاثنين 9 كانون الثاني / يناير 2017. 12:09 صباحاً

ليس صحيّاً أن نخفي تأثير العمليات الإرهابية التي حدثت العام الماضي؛ في إربد والكرك والركبان، على السياحة، مع حجم التغطية الإعلامية الغربية الواسع لتلك العمليات، ما انعكس -بالضرورة- على القطاع. لكن المطلوب هو اجتراح خطة وأفكار للتخفيف من عبء هذه الصورة النمطية عن أحداث المنطقة، والتي تضع الأردن في قلبها، مع العمليات التي يقوم بها تنظيم "داعش" وغياب الاستقرار السياسي عن الدول المحيطة، ولا سيما العراق وسورية.
ما تزال "السياحة العلاجية" أفضل حالاً، وتمنحنا ميزة نسبية، بخاصة من خلال الأشقاء العرب القادمين للأردن. لكنّ هذا النوع من السياحة، على أهميته، يبقى جزئياً أولاً؛ وثانياً غير مستغل بما فيه الكفاية؛ وثالثاً لا يحظى باهتمام حكومي بحجمه ووزنه؛ كما يواجه إعاقات بيروقراطية رابعاً.
وفي المقابل، فإنّ هناك تراجعاً مقلقاً للغاية على صعيد السياحة للمواقع الأثرية المهمة، مثل البترا وجرش وعجلون، ما يؤثّر على الفنادق والعمالة والسوق المحلية، ويحرم البلاد من دخل مفقود كبير، وفرص عمل هائلة يمكن توفيرها عبر إعداد تصوّر لتأهيل البنية التحتية في هذه المدن التاريخية المهمة، وتقديم تصوّر بشأن كيفية جذب السياحة الداخلية، في الحدّ الأدنى وتشجيعها، من ذلك رحلات المدارس والرحلات الصيفية والسياحة العلمية، وغيرها من روافد يمكن أن تسهم بصورة جديّة في استنهاض قطاع السياحة التاريخية النائم، واستثمار هذه الموارد بصورة أفضل بكثير مما هي عليه الحال الآن.
السياحة الداخلية عنوان شبه مفقود. وإن كان هناك دائما خطط لتنشيط السياحة الداخلية، وترويجها لإقناع الأردنيين بتغيير وجهتهم من الخارج إلى الداخل، إلا أنه ما يزال هذا العائد أقل بكثير مما هو متوقع وما هو مطلوب.
لو أخذنا، على سبيل المثال، ارتفاع إنفاق الأردنيين على السفر للخارج 9 % خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، أو ما مقداره 58 مليون دينار مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2015، بحسب الأرقام الصادرة عن البنك المركزي. وبلغ الإنفاق على السفر للخارج في نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي 726 مليون دينار مقارنة مع 668 مليون دينار في الفترة نفسها من 2015.
فهذا الرقم الكبير لو وضعنا خطة لتحصيل نصفه فقط، لاستطعنا تحريك قطاع السياحة بصورة فاعلة، وخلقنا فرص عمل، وحرّكنا السوق المحلية. لكن مثل هذا السيناريو لا يمكن أن يتحقق من دون أن نقوم بواجباتنا المنزلية/ البيتية (Home Work). فالسياحة الأردنية ما تزال تعاني من ضعف في البيروقراطية المؤهلة، وفي الثقافة السياحية، وفي الخدمات الأساسية والبنية التحتية؛ بصراحة ما تزال بدائية.
سبق وكتبت مقالات عدة عن زيارتي الأخيرة للبترا، كما كتب الزميل فهد الخيطان عن جرش، وزملاء وكتاّب آخرون؛ فالمدينة القديمة في البترا كاملة لا توجد فيها خدمات أساسية؛ دورات مياه محدودة مغلقة، والنظافة بائسة، والبنية التحتية بدائية، كيف يمكن أن نجتذب السياحة في ظل هذا الواقع؟
كثير من الأردنيين يسافرون إلى شرم الشيخ في مصر، ومرمريس في تركيا، والحمامات في تونس، على سبيل المثال؛ حيث يعاينون الفروق الكبيرة في مستوى الخدمات السياحية والمنشآت والترفيهية. فالسياحة صناعة لم نصل بعد إلى الدرجة التي نفهمها، مع أنّها يمكن أن تكون دخلاً هائلاً للاقتصاد الوطني. ويمكن أن نعكس الأوضاع الإقليمية بدلاً من أن تكون سلبية، بأن نخلق مفهوم "الواحة الآمنة" للسياحة المحلية والعربية في الحدّ الأدنى!
صناعة السياحة عملية متكاملة، متطوّرة؛ هي علم قائم بذاته، تحتاج إلى فكر استراتيجي خلّاق، وإلى عقليات غير تقليدية، لإحداث النقلة النوعية المطلوبة، أو خلق المسار الصحيح المفقود!

التعليق