المسرح والرسم.. فنان يخففان معاناة اللاجئين السوريين

تم نشره في الثلاثاء 10 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً
  • باميلا كسرواني متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية
  • لاجئون سوريون في الأردن يسيرون قرب جدارية ضخمة تم تنفيذها في المخيم ضمن "مشروع الزعتري" - (أرشيفية)

باميلا كسرواني

4,810,710 هو عدد اللاجئين السوريين المسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، والموزعين بين لبنان ومصر والأردن والعراق وتركيا. وهو عدد يتزايد يوماً بعد يوم، ولا يشمل اللاجئين غير المسجلين من الحكومات والمنظمات الدولية. ويُضاف إليه أكثر من مليون شخص آخر من طالبي اللجوء السياسي في دول أوروبية أخرى.
وهذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوري، من الصغار والكبار، سواء كانوا في الداخل أم الخارج؛ إذ لا تُعد المشكلات ولا تُحصى، بدءاً من القصف والتهجير والدمار وغياب الخدمات الطبية، وصولاً إلى اللجوء والعيش في مخيمات، والبرد، وانعدام العمل، والإذلال والصدمات والمشاكل النفسية.
مشكلات نفسية وصدمات قد لا يأخذها كثيرون في الحسبان عندما تكون الحاجة إلى الأساسيات هي الأولويات. إلا أن معالجتها، بمختلف الطرق، ضرورة من أجل التخفيف عن مآسي الحاضر والتمهيد بشكل أفضل للمستقبل.
ومع تزايد عدد اللاجئين السوريين في العالم، تبدو الحاجة مُلحة إلى اعتماد برامج ومبادرات تعتمد على الإبداع، لتُمكّنهم من تعزيز قنوات جديدة لأصواتهم؛ سواء من خلال التصوير والرسم والمسرح، إذ يظهر الفن كمنبر من أجل رفع مستويات الوعي وتشجيع اللاجئين على تحقيق قدراتهم والتأقلم مع أوضاعهم، ولا سيما أن ممارستهم لأي شكل من أشكال الفنون غالباً ما تؤدي دوراً ايجابياً في قدرتهم على البقاء، سواء جسدياً أم معنوياً، وحتى روحياً.
كيف تساعد الفنون اللاجئين السوريين اليوم؟
لا شك أنها ليست الحل السحري لكل المشكلات، إلا أنها جزءٌ من الحل. وكثيرة هي المبادرات التي ظهرت في السنوات الأخيرة في مختلف الدول التي تستقبل اللاجئين من أجل التخفيف عن كاهلهم؛ مبادرات غالباً ما تستهدف الأطفال والمراهقين، الضحايا الأكبر في هذا النزاع. ولن نتمكن من الحديث عن كل هذه المبادرات الفنية التي تعمل في غالب الأمر داخل المخيمات، إلا أننا اخترنا اثنتين منها علّها تُعطي فكرة، ولو صغيرة، عن الجهود الإبداعية المبذولة.
"مشروع الزعتري" يُحوّل جدران
المخيم إلى لوحات فنية
"تحتاج الجدارية الفنية حوالى أسبوع من العمل. ولذلك، يختلف كل يوم عن الآخر خلال مشروعنا. فغالباً ما يكون اليوم الأول تمهيديا لنتعرف على الفريق ونتناقش حول ما نريد رسمه، ونعطي الفرصة للأطفال والمراهقين لرسم بعض النماذج. وفي الأيام التالية، نمضي الوقت في رسم الجدارية ونتحدث عن أحلام الأطفال في المستقبل التي تنعكس على جدران المخيم، وغالباً ما تكون أموراً يفتقدونها من سورية. نحاول أن نجد معهم طرقاً للتطلع إلى المستقبل. وعندما ننهي اللوحة الفنية، نُنظم احتفالاً صغيراً نجمع فيه الجميع ونعطي الكلمة للأطفال والمراهقين للتحدث عن تجربتهم"، بهذه الكلمات اختصر جويل بيرنيه هذا المشروع للرسوم الجدارية في مخيم الزعتري في شمال الأردن.
بيرنيه، وهو فنان متخصص بالفنون الجدارية، لطالما انخرط في العمل الاجتماعي مع الأفراد الذين يعانون من صعوبات، كاليتامى والسجناء وشبان الشوارع واللاجئين في الشرق الأوسط وأوروبا ومناطق أخرى من العالم. كما أنه المؤسس الشريك لمنظمة "أرتوليوشين" (Artolution) لتصميم مشاريع إبداعية مستدامة من خلال العمل مع فنانين ومربين محليين.
وعن "مشروع الزعتري" يخبرنا: "أعمل في هذا المجال منذ 8 سنوات. وشاركت في العديد من المشاريع، آخرها هذا المشروع مع اللاجئين السوريين بالشراكة مع "اليونيسف" و"مرسي كورب"، و"أبت أرت"، و"أكتيد"". ويضيف: "هذه المنظمات الإنسانية تقوم بالكثير من الأعمال الجيدة. فوفّرت، مثلاً، للأفراد الذين يعيشون في مخيم الزعتري سقفاً ورعاية صحية وطعاماً، إلا أن كل المشكلات لا يتمّ حلّها بمجرد تأمين الأساسيات. كثيرون في المخيم يعانون من صدمات كبيرة، وتحديداً الشبان الذين عاشوا التهجير ولا يرتادون المدرسة ويواجهون مشاكل نفسية. وبالتالي، نحتاج إلى برامج تعليمية وإبداعية في المخيمات وفي المجتمعات التي تستقبل اللاجئين". ويتابع: "بما أنني فنان، ألجأ إلى الجداريات الجميلة من أجل بعث الحياة في المخيم. وهي تُشكل أداة نستخدمها من أجل العمل مع الشبان والتواصل معهم من خلال العملية الفنية".
ويشرح أن "مشروع الزعتري" كان ممكناً بفضل مشاركة العديد من الفنانين، ولا سيما الفنانين الأردنيين والسوريين، منذ انطلاقه العام 2013، أمثال الفنانة الفلسطينية-الأردنية يسرى علي التي تعيش بالقرب من المخيم، والتي سخّرت في المشروع حبها للفن والأطفال؛ والفنان السوري علي كيوان المقيم في المخيم، والذي علّم بيرنيه الزخرفة العربية التي استخدمت على جدران المخيم.
"الكرفانة": مسرح متنقل
في المدن اللبنانية
ومن الرسم على الجدران في الأردن، ننتقل مع سابين شقير الى مسرح الشارع ومشروع "الكرفانة" التي تتنقل بين مختلف المناطق اللبنانية لتقدم المسرحيات وتسجيلات صوتية لحكايات السوريين الشخصية.
إذ إن شقير التي جمعت بين دراستها للمسرح والعلاج الاجتماعي، لطالما اهتمت بالعمل الاجتماعي مع اللاجئين الفلسطينيين والعراقيين والمجتمعات الأقل حظاً في الهند والبرازيل والمكسيك، واعتبرت أن "الحكاية مهمة جداً في الحياة وتقرّبنا من بعضنا بعضا، ولا سيما الحكايات الشخصية".
وانطلاقاً من اهتمامها بالحكايات الشخصية، ولدت فكرة "الكرفانة". وهنا تخبرنا: "في بداية 2016، كنت أفكر بإطلاق مشروع في الشارع يتعلق بالحكاية الشخصية، وكنت أريد أن يُخبر الناس حكاياتهم بأصواتهم. بدأت تتبلور الفكرة شيئاً فشيئاً. فمن إجراء الأبحاث إلى لقاء الناس ليخبروني حكاياتهم وصلنا إلى فكرة الكرفانة والمسرحية لنتنقّل بها في المناطق".
وبالطبع، اسم المشروع ليس من باب الصدفة، بحسب شقير، والتي تقول: "الكرفانة هي وسيلة نقل اعتمدناها، وهي خشبة مسرحنا أيضاً. هي تُشبه عملية رحيل شخص من مكان إلى آخر". وتشير إلى أن "الكرفانة" مبادرة من "بيروت دي سي"، وهي منظمة تدعم صناعة الأفلام العربية المستقلة، بالتعاون مع منظمة "سوا للتنمية والمساعدات"، و"كلاون مي إن"، و"مسرح تيموان". وقد حصلت على تمويل من الاتحاد الأوروبي، ومركز "غوتيه"، واليونيسف.
المشروع الذي بدأ بجمع قصص اللاجئين السوريين، تحوّل إلى تسجيلات لعدد منها، وتبلور من خلال اختيار 8 من المشاركين، تتراوح أعمارهم بين 13 و20 عاماً، من أجل التجوال في الكرفانة والتمثيل. وتقول شقير: "نصل إلى المنطقة، نجهّز المسرح والصوت والديكور ونضع الأغاني للتدريب. حينها، يبدأ الناس بالحضور من باب الفضول فنُعلمهم بموعد المسرحية. ومتى يحين موعد العرض، يزداد الجمهور أكثر فأكثر".
النشاطات الفنية بصيص أمل رغم التحديات
يقول بيرنيه: "ليس الفن بذاته مفتاح الحل، لا بل العملية التعاونية التي تخلق الروابط مع الأشخاص الآخرين في المجتمع بطرق ايجابية". وهنا يضرب مثالاً بأيوب البالغ من العمر 11 عاماً، قائلاً: "طوال المشروع، كان أيوب يرتدي قميصاً بأكمام طويلة على الرغم من أنّ الجو كان حاراً جداً. وفي لحظة ما كشف عن يديه لنُلاحظ جلده المحروق. فيخبرنا أن القوات الحكومية السورية اختطفته لأن والده كان جندياً وانشق وأرادوا معاقبته من خلال صدم ابنه بالكهرباء. هذه اللحظات كانت مهمة جداً لأن أيوب قرر مشاركتنا قصته بعد أسبوعين من العمل معاً والشجاعة التي تحلّى بها تُشكل جزءاً من عملية الشفاء التي نطمح إلى تحقيقه".
من جهتها، أكدت شقير أن كثيرين استفادوا من مشروع الكرفانة. وتقول: "الأشخاص الذين شاركوا في ورش العمل وسجلوا قصصهم فرحوا ولو قليلاً، واستفادوا من العمل في المسرح". وتتابع: "اللاجئون الذين خاضوا تجربة الـ"كاستينغ" واخترناهم لعرض المسرحية استفادواً أيضاً لأنهم تابعوا دروساً في المسرح وتحولوا الى ممثلين بارعين"، مشيرة أنه "أظن الجميع بشكل عام استفاد لأنهم شعروا أن قصصهم تنتشر وأنهم قاموا بتغيير جميل في حياتهم لأنهم شعروا أنهم أخبروا قصتهم للعالم الذي أصغى إليها". واعتبرت أن "كل شكل من أشكال التعبير مفيد للصغار وللكبار أيضاً. فهم يجدون طرقاً للتعبير عن أنفسهم من خلال المسرح والنزول إلى الشارع والقيام بالعروض".
لا شك أن هذه المبادرات أدخلت بعض البهجة في حياة اللاجئين السوريين، وغيّرت ولو قليلاً واقعهم المرير، على الرغم من بعض التحديات التي واجهتها. وبشكل عام، شدد برينيه وشقير على أن معظم الناس كانوا داعمين للفكرة. إلا أن برينيه أشار: "كان من الصعب أحياناً التعامل مع الأولاد، ولا سيما أن الصدمات الكثيرة التي عانوا منها جعلت كثيرين منهم يتصرفون بشكل عنيف، مما حتّم بعض الانضباط والعمل على إشعارهم بالأمان". وأضاف أن "الأصعب تمثّل بالأمور اللوجستية، خاصة أنّك لا تستطيع دخول المخيمات من دون التنسيق مع المنظمات المختلفة المسؤولة". في حين لم تواجه شقير صعوبات في الحصول على تصاريح للعرض، لا بل بعض التحفظ حيال المواضيع الحساسة المطروحة.
يبقى أن هذه المبادرات لا تريد أن تكون آنية، بل تطمح إلى المزيد. فيريد بيرنيه من خلال منظمته الجديدة أن يضع برنامجاً دائماً في عدد من المخيمات بفضل التعاون مع الفنانين والمربّين المحليين من أجل إطلاق مشاريع مستدامة. وتأمل شقير أن يتمكنوا من عرض المسرحية في أوروبا، لأنها تتطرق إلى مواضيع تطال كل العالم؛ مثل التمييز واللجوء، من أجل "فتح النقاش وحث العالم على طرح الأسئلة والسعي إلى إيجاد الحلول".

متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

التعليق