أمن إمدادات الطاقة وتداعياتها الجيوسياسية

تم نشره في الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً
  • موظفون يعملون في منشأة نفط في كازخستان -(أرشيفية)

بقلم: لهب عطا عبدالوهاب

عمان- يتأثر النفط، خلافا للسلع الأخرى، بدرجة كبيرة بالعوامل الجيوسياسية والتي فعلت فعلها في السنوات القليلة الماضية بدءا من الربيع العربي عام 2011.
 والخشية من أن يؤدي ذلك إلى توقف الإمدادات، لا سيما الإمدادات المارة عبر قناة السويس أو مضيق هرمز انتهاء بتهديد "الحركة الحوثية" في اليمن بغلق مضيق باب المندب.
 وجاءت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا يوم 15 تموز (يوليو) 2016 لتؤدي الى توقف حركة السفن عبر "مضيق البوسفور لوقت قصير، وهو ما ذكر العالم بالأهمية الكبيرة والمتزايدة لتركيا كممر لعبور السلع الاولية بين روسيا وآسيا الوسطى وأوروبا".
يمكن تأطير الاهتمام بأمن الطاقة وقضاياها المتشعبة من "الناحية التاريخية الى عشية الحرب العالمية الاولى عام 1914 حين اتخذ الزعيم البريطاني "ونستون تشرتشل" وكان في حينها وزيرا للحربية، قرارا بتحويل طاقة الأسطول البحري الذي كان يعمل بالفحم الى العمل على النفط الخام لجعل الأسطول البريطاني أسرع وأفضل من نظيره الألمانية.
ومنذ ذلك التاريخ بدأ الاهتمام المتصاعد بأمن الطاقة، ولا شك في أن مرد الاهتمام بهذا الموضوع لا يعزى فقط الى اختلال التوازن بين عرض الامدادات والطلب عليه، بل يمكن أن تعزى كذلك الى ان أمن الطاقة أصبح مرادفا للتهديدات الارهابية، وأبلغ دليل على ذلك ما قامت به داعش بعد سيطرتها على محافظة نينوى في العراق وإعلانها "دولة الخلافة" المزعومة من سيطرتها على مراكز التكرير في بيجي والشرقاط.  ما هدد بتوقف الانتاج النفطي العراقي بالاضافة الى حالة "عدم اليقين" في بعض الدول المصدرة، والى السباق والتنافس الجيوسياسي وحاجة الدول للطاقة لتعزيز النمو الاقتصادي ولعل الطلب المتعاظم في الصين لتعزيز عملية النمو الاقتصادي فيها يعد من أبرز الأمثلة على ذلك، لا سيما وأن الصين كانت وحتى وقت قريب – مطلع التسعينيات - مصدرا صافيا للنفط، بيد أن ذلك تغير جذريا بدءا من عام 2004 مع ارتفاع الاستهلاك على النفط فيها الى أكثر من 7 ملايين برميل يوميا، متجاوزة في ذلك اليابان، التي كانت حتى وقت قريب ثاني أكبر مستهلك في العالم.
الى ذلك، فإن العالم أخذ بالاعتماد على مصادر طاقة من دول ما زالت نظم الأمن فيها قيد التطوير، وتبرز بين الآونة والأخرى خلافات سياسية تؤثر بشكل غير محسوب أو متوقع على تدفق الطاقة وانسيابها ولعل مثال على ذلك ما حصل في مطلع العام 2008 من خلاف بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا حول تسعير الغاز الطبيعي، والذي أفضى الى توقف إمدادات الغاز المتجهة الى أوروبا ولا سيما إمداداتها إلى بولندا والمانيا.
ولا تتوقف تجليات أمن إمدادات الطاقة عند هذا الحد فقط بل تمتد لتشمل مع النمو المتسارع في تجارة الطاقة ما يعرف بـ "نقاط الاختناق"  Choke Points عبر الممرات البحرية، ومن اهمها مضيق هرمز قبالة الشواطئ الاماراتية التي يمر من خلالها أكثر من 17 مليون برميل يوميا أو ما يعادل 40 % من تجارة النفط البحرية، وهناك نقاط اختناق أخرى - والتي لا تقل أهمية عن مضيق هرمز ومنها كل من مضيق مالقة، الذي يربط شبه القارة الهندية بشواطئ المحيط الهادي؛ اذ لطالما تعرضت الناقلات البترولية العابرة خلالها لعمليات قرصنة، ومضيق "باب المندب" الذي يربط بحر العرب بالبحر الأحمر ومضيق "البوسفور"، الذي يربط البحر الاسود وبحر قزوين بالدول المطلة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز
أثار إعلان دول الاتحاد الأوروبي في نهاية كانون الثاني (يناير) 2012 فرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران على خلفية ملفها النووي المثير للجدل بما في ذلك حظر الواردات النفطية الايرانية رد فعل إيراني غاضب بالتهديد بالرد على هذه العقوبات بإغلاق مضيق هرمز الحيوي أمام الملاحة الدولية، وهو تهديد في حال تنفيذه، ستكون له تداعيات وخيمة؛ إذ سيعني ذلك حرمان العالم من 17 مليون برميل يوميا من النفط الخام الذي تمر خلاله على ظهر الناقلات العملاقة، ناهيك عن الأضرار البالغة التي ستلحق بالصادرات الخليجية والتي يمر نحو 80% منها عبر ذلك المضيق، ولا شك في أن تنفيذ التهديدات الايرانية بإغلاق المضيق يرقى الى مستوى إعلان حرب على العالم وفقا للقانون الدولي.
غلق المضيق والبدائل المتاحة
يعد مضيق هرمز الذي يقع بين سلطنة عمان وإيران والذي يربط الخليج العربي ببحر العرب، أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، ويبلغ عرض المضيق 60 كيلو مترا تعبره يوميا الناقلات النفطية العملاقة التي يزيد وزنها على 150 ألف طن، والتي تصل في ساعات الذروة إلى ناقلة واحدة كل 6 دقائق أي بمعدل يومي قدره 30 ناقلة.
ويمثل حجم النفط الذي عبر المضيق عام 2015 ما يعادل تقريبا 35 % من تجارة البترول البحرية، وهو ما يعادل كذلك 20% من إجمالي التجارة البترولية في العالم، وتعد قارة آسيا الوجهة الجغرافية الرئيسة للنفط العابر من خلال المضيق؛ اذ أستأثرت بأكثر من 85 % من الصادرات البترولية، كانت حصة الاسد فيها للأسواق النفطية في اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية.
ودفعت التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات، دول مجلس التعاون للتفكير جديا في استخدام خطوط الأنابيب كبديل لذلك:
 1 - المملكة العربية السعودية: يعد خط  Petroline أحد أهم الخطوط البديلة في حال غلق المضيق، ويعرف أيضا بشبكة انابيب الشرق الغرب، ويبلغ طوله 757 ميلا؛ حيث يربط ابقيق في الشرق بميناء ينبع على البحر الاحمر وبطاقة استيعابية قدرها 5 ملايين برميل يوميا.
2 - الإمارات العربية المتحدة: أعلنت عن بدء تشغيل خط أنابيب لنقل النفط لديها من حقول حبشان في امارة أبو ظبي الواقعة غربي الخليج، الى مرفأ الفجيرة على خليج عمان شرقا دون المرور في مضيق هرمز بطاقة تصل الى 1.4 مليون برميل يوميا يمكن زيادتها الى 1.8 مليون برميل يوميا كحد أقصى، الامر الذي سيتيح تصدير 70% من إنتاج الامارات النفطي عبر الفجيرة دون المرور بمضيق هرمز المحفوف بالمخاطر.
3 - العراق: سيتحمل العراق الوزر الاكبر في حال إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، لا سيما وأن أكثر من 90% من إجمالي صادراته النفطية تتم عبر الخليج العربي .
وفي المقابل، فإن صادراتها من المنافذ الشمالية (كركوك) عبر ميناء جيهان التركي على البحر الابيض المتوسط لا تمثل سوى 10 % من إجمالي صادراته النفطية.
وهناك محاولات لإعادة إحياء عدد من الخطوط المعطلة منها خط بانياس على ساحل البحر الابيض المتوسط، بيد ان ما تشهده سورية اليوم من قلاقل تحول دون تحقيق ذلك في الوقت الراهن.
كما أن إعادة إحياء الخط الممتد الى ميناء ينبع على البحر الاحمر والذي تصل طاقته الاستيعابية الى 1.650 مليون برميل يوميا والمغلق منذ غزو الكويت عام 1990، هو الاخر بعيد المنال حاليا لما يعتري العلاقات العراقية السعودية من فتور.
ويستخدم العراق بشكل محدود اسطوله من الصهاريج لنقل النفط الى الاردن والتي يمكن زيادة عددها كأحد البدائل المتاحة في حال اغلاق المضيق امام الملاحة الدولية.
وهناك توجه لانشاء خط أنابيب يربط مدينة البصرة في جنوب البلاد بميناء العقبة الاردني وبطاقة انتاجية تصل الى مليون برميل يوميا.
ايران وسياسة حافة الهاوية
ان ما يشهده العالم اليوم من توتر بين قطبي الرحى في الخليج العربي: ايران والسعودية يعيد الى الذاكرة (سياسة حافة الهاوية) policy of brinkmanship التي سادت في ستينيات القرن الماضي إبان أزمة الصواريخ في كوبا، حين أعلن زعيم الحزب الشيوعي خروتشوف (في خريف عام 1962) عن نشر صواريخ نووية قبالة شواطئ فلوريدا، ما حدا بالرئيس الاميركي (جون كنيدي) الى إصدار بيان شديد اللهجة أدى في نهاية المطاف الى نزع فتيل الازمة بعد أن حبس العالم أنفاسه لأيام خشية اندلاع حرب نووية تأتي على الأخضر واليابس.
لكن البعض من المراقبين ينظرون الى التهديد الايراني بغلق المضيق باعتباره مجرد (جعجعة) Sabre Rattling يراد منها كسب تأييد الجماهير الايرانية والتغطية على المشاكل الداخلية التي تعاني منها بلاده.
أما من الناحية العملية، فإن لدى إيران القدرة العسكرية على خلق قدر كبير من الاضطراب في مضيق هرمز وذلك على المدى القصير، من خلال توظيف واستخدام الفرقاطات والزوارق الحربية الصغيرة ذات السرعة الفائقة والمزودة بالصواريخ، بالاضافة الى قدرتها على تلغيم الممرات مما يعيق الانسياب السلس للسفن العابرة.
ويعيد هذا السيناريو الى الاذهان (حرب الناقلات) التي اندلعت في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي إبان ذروة الحرب العراقية – الايرانية.
بيد ان قدرة ايران على غلق المضيق لفترات زمنية طويلة لن يكتب لها النجاح لأسباب عديدة، فعلى الرغم من امتلاكها لثلاث غواصات روسية الصنع، الا أن الوجود العسكري البحري الاميركي تحت قيادة الأسطول الخامس الأميركي (ومقره البحرين) يجعل تنفيذ تلك التهديدات صعبا للغاية، ناهيك عن القواعد العسكرية المساندة في المنطقة كقاعدة العديد الجوية ومقر القيادة المركزية الوسطى للولايات المتحدة CENTCOM في قطر.
الى ذلك، فإن غلق المضيق سيثير حفيظة حلفاء ايران الآسيويين، لا سيما الصين، العضو الدائم في مجلس الامن، والتي تعتمد بشكل كبير على وارداتها النفطية الايرانية.
والأنكى من كل ذلك هو أن غلق المضيق سيؤدي الى حرمان ايران من تصدير نفطها للخارج بالاضافة الى حرمانها من وارداتها الاستراتيجية، لا سيما وارداتها من المواد الغذائية والسلع الرأسمالية.
إيران لا تمثل التهديد الاكبر لتجارة الملاحة البحرية
وفقا لمجلةThe Economist المرموقة فإن إيران لا تمثل التهديد الأكبر لتجارة الملاحة البحرية في دول المنطقة، بل إن الخطر الداهم قد يأتي من "الجماعات دون الدول"  Non –  State Actors ومنها جماعة "أنصار بيت المقدس" في شبه جزيرة سيناء موقع السكان البدو الذين يشكون التهميش والتي تتمركز الى الشرق من قناة السويس. وقد شوهد الإرهابيون في اكثر من مناسبة قبل عام 2013 في فيلم فيديو يصورهم وهم يطلقون صواريخ RPG  المحمولة على الكتف في وضح النهار على السفن وهي تعبر قناة السويس.
إن نجاح أي محاولة إرهابية لإغراق سفينة، لا سيما سفن الحاويات سيفضي الى غلق القناة لاسابيع عدة وهو ما سيجبر السفن للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح الامر الذي سيضيف أكثر من 4 آلاف كيلو متر للرحلة المنطلقة من السعودية للولايات المتحدة وما سيترتب عليه من ارتفاع في التكاليف تضاف الى فاتورة الشحن.
خلاصة القول، إن انغماس العديد من دول المنطقة في لجج حرب أهلية لم يفت في عضد المسؤولين الحكوميين من إبقاء الممرات البحرية مفتوحة بما يؤمن المرور الآمن للناقلات البترولية من دون توقف لا سيما الناقلات المتوجهة إلى آسيا الشريك الرئيسي لدول الخليج النفطية، إضافة الى تأمين وصول الامدادات الى نصف الكرة الشمالي بنحو منتظم بما يعزز أمن الامدادات التي لم تتوقف حتى في ظل أحلك الظروف قتامة، وربما كان الاستثناء الوحيد لذلك هو الحظر النفطي العربي عام 1973 إبان حرب تشرين الأول (أكتوبر) حين أشهر العرب سلاح النفط بنحو ناجز في ظروف تاريخية لن تتكرر.

*اقتصادي عراقي متخصص في شؤون الطاقة

التعليق