إدارة المخاطر الاقتصادية

تم نشره في الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً

د.خالد واصف الوزني

السجال الذي نشهده اليوم بين النواب والحكومة حول التوجهات الحكومية للتعامل مع العجز المالي المتوقع في الموازنة العامة للعام الحالي وما يُرتبه ذلك من استحقاقات سابقة وقادمة في مجال المديونية العامة يدعو للتساؤل حول حقيقة ما يجب أن يشغل بال المخطط الاقتصادي من ناحية والمُشرّع، وتحديدا ممثلي الشعب، من ناحية أخرى.
وفي هذا المجال؛ علينا أن نعترف أن من مؤرقات الاقتصاد الوطني اليوم؛ المديونية العامة المرتفعة والتي تكاد تتجاوز قيمة الناتج المحلي الإجمالي السنوي للبلاد.
بيد أن السؤال الكبير الذي يتطلب الوقوف عنده من وجهة نظر التخطيط الاقتصادي القائم على تحليل المخاطر والتعامل معها هو؛ أيهما اكثر خطورة: زيادة المديونية بنسبة 2 % مثلا، أم زيادة البطالة بالنسبة نفسها أو حتى بنصف هذه النسبة؟ وأيهما أكثر تهديدا للأمن الاقتصادي والاجتماعي للبلاد اليوم؟
ويتتبع ذلك سؤال آخر بذات الأهمية؛ وذاك هو أن نسأل أنفسنا؛ أيهما أكثر أهمية من الناحية الاقتصادية زيادة المديونية العامة بقيمة 450 مليون دينار للعام القادم، أي بقيمة العجز المتوقع، أم تحقيق نمو اقتصادي حقيقي يصل الى 3.5 % حسب فرضيات موازنة العام 2017؟
إن السؤالين السابقين لا يحتملان سوى إجابة واحدة؛ ففي ظل بطالة تصل نسبتها، وفقا للأرقام الرسمية، الى ما يقارب 16 % جُلها في شريحة الشباب، وهي نتيجة حتمية لسياسات اقتصادية سابقة أدت الى تراجع مستوى النمو الاقتصادي الى ارقام لم نشهدها منذ الأزمة الاقتصادية التي مر بها الأردن في نهاية عقد الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات من القرن الماضي الماضي.
وعليه؛ فإن المخطِط الاقتصادي مطالب اليوم بأن يلجأ الى ما يسمى بإدارة حصيفة للمخاطر الاقتصادية والتعامل معها على أنها الأولوية الوحيدة التي يجب أن يُركز عليها.
ولا يختلف اثنان أن أهم المخاطر الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها الأردن اليوم يتمثل في البطالة.
ولتحقيق اختراق تدريجي مناسب في هذه القضية، فإن التركيز الأكبر خلال السنوات القادمة يجب أن يكون على النمو الاقتصادي وتحفيز عجلة الاقتصاد وتوفير الوظائف والدفع بموازنة توسعية في مجال النفقات الرأسمالية والتدخل المالي بمشاريع استثمارية بشراكة تامة بين القطاع العام والخاص، مع الجدية التامة في التعامل مع ملفات الهدر المالي وخاصة تلك المتعلقة ببعض أوجه الانفاق الزائد الناتج عن وجود العديد من المؤسسات المستقلة ذات العبء الأكبر على كاهل الموازنة العامة.
إن التركيز على زيادة النمو الاقتصادي بنسبة 1 % في العام 2017 يؤدي الى زيادة حقيقية في الاقتصاد الأردني بنحو 270 مليون دينار، وفقا لحسابات الناتج المحلي للعام الماضي.
أي أن تحقيق النمو الاقتصادي المُفترض في الموازنة العامة، 3.5 % سيؤدي إلى زيادة إنتاج الاقتصاد الوطني بما يزيد على 900 مليون دينار.
وهذا سيؤدي بدوره الى إيجاد ما يقرُب من 50 ألف فرصة عمل، ذلك أن بعض الدراسات في الأردن أشارت الى أن استيعاب القادمين الجدد الى الاقتصاد الوطني من شتى مستويات التعليم، وهم نحو 100 ألف فرد، يحتاج الى نمو اقتصادي حقيقي لا يقل عن 7 %.
وفي الختام؛ فإن الحكمة في إدارة المخاطر الاقتصادية تجعل من المنطق أن نتحول نحو التركيز على السياسات التي تولد الوظائف وتزيد الدخل، ومحصلة ذلك بالضرورة ستكون في انخفاض نسبة الدين العام الى الناتج المحلي الإجمالي حتى لو زاد الدين العام بكامل قيمة العجز المالي المتوقع للعام 2017.
الحكومة الحالية وفريقها الاقتصادي قادرة بلا شك على تحقيق ذلك، والأمل أن يعود التركيز على الحديث عن النمو الاقتصادي أكثر من التهويل من وضع الموازنة والعجز، ولاشك أن آخر ما يمكن اللجوء اليه اليوم هو مزيد من الضرائب الفردية أو حتى على المستثمرين أو الشركات.
فقد جُربت هذه الوصفة من قبل الحكومة السابقة وكانت النتائج ما نشهده اليوم من تراجع اقتصادي وبطالة غير مسبوقة ومديونية صارخة وعجز مستمر.

khwazani@gmail.com

التعليق