2017: ثلاث مناسبات فلسطينية قاتمة

تم نشره في الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً
  • فلسطينية تطل من نافذة بيتها في مخيم الشاطئ للاجئين في غزة - (أرشيفية)

ريتشارد فولك* - (ذا بالستاين كرونيكل) 6/1/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يبدو الفلسطينيون منذورين باطراد إلى قدر أن يصبحوا مجرد أفراد مُخضعين، أو في أحسن الأحوال مواطنين من الدرجة الثانية في وطنهم التاريخي نفسه. وتلتقي النزعة التوسعية الإسرائيلية مع الدعم الأميركي غير المشروط، وعجز الأمم المتحدة، لتخلق آفاقاً قاتمة لتقرير المصير الفلسطيني، وتحقيق سلام متفاوض عليه يكون مستجيباً لحقوق ومظالم كل من الفلسطينيين والإسرائيليين.
على هذه الخلفية، ربما يساعد استدعاء ثلاث مناسبات بارزة سوف يشهدها العام 2017 في تكوين فهم أفضل لكيفية تكشُّف هذا السرد الفلسطيني المؤلم على مدار السنوات المائة الماضية. بل إن الذكرى السنوية لهذه المناسبات ربما تشجع على تصحيح إخفاقات الماضي وتحفز الجهود الواهنة للعثور على طريق للمضي قُدُماً، حتى في هذه الأوقات المتأخرة. وقد أصبحت أكثر المبادرات وعداً ترتبط الآن بتنامي حركة التضامن العالمية المكرسة لمحاولة تحقيق سلام عادل لكلا الشعبين.
لكنه لا يبدو الآن أن لدى الأمم المتحدة أو الدبلوماسية التقليدية الكثير من التأثير على تحرك القوى الاجتماعية والسياسية التي تكمن في صميم النضال الفلسطيني. ويبدو أن مقاومة الفلسطينيين غير العنيفة لمحنتهم الطويلة مع الاحتلال ونشاط المجتمع المدني الانتقالي هما اللذان يمتلكان القدرة فقط على ممارسة تأثير إيجابي على الوضع الراهن والحفاظ على الأمل.
• 1917: يوم 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917، تم إقناع وزير الخارجية البريطاني في ذلك الحين، آرثر بلفور، بإرسال رسالة إلى البارون ليونيل روتشيلد، المدافع البارز عن الصهيونية في بريطانيا، والتي يعبر فيها عن دعمه لتطلعات الحركة الصهيونية.
كان المحتوى الرئيسي للرسالة كما يلي: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".
يطرح هذا الإعلان سؤالاً أساسياً واضحاً: لماذا تحركت بريطانيا في اتجاه طرح مثل هذه المبادرة في خضم الحرب العالمية الأولى؟ والتفسير الأكثر مباشرة هو أن الحرب لم تكن تسير سيراً حسناً بالنسبة للبريطانيين، وهو ما غذى الاعتقاد لدى قادتهم بأن الاصطفاف مع الحركة الصهيونية سوف يشجع اليهود في كل أنحاء أوروبا على دعم قضية الحلفاء، خاصة في روسيا وألمانيا.
وثمة حافز آخر، هو تعزيز المصالح البريطانية في فلسطين، التي كان للويد جورج، رئيس الوزراء البريطاني حينذاك، يعتقد أنها مهمة وحاسمة استراتيجياً بنفس المقدار لحماية طريق التجارة البري إلى الهند، بالإضافة إلى كونها ضماناً للوصول إلى قناة السويس.
كان وعد بلفور مثيراً للجدل منذ يوم صدوره، حتى بين بعض اليهود. فمن ناحية، كان مثل هذا الالتزام من وزارة الخارجية البريطانية تعهداً استعمارياً بحتاً، من دون بذل أدنى جهد للنظر في مشاعر السكان العرب في غالبيتهم الذين يعيشون في فلسطين في ذلك الوقت (شكل اليهود أقل من 10 في المائة من السكان في العام 1917)، وبدون أن يأخذ في الاعتبار مسألة ارتفاع الدعم الدولي لحق تقرير المصير الذي تتمتع به الشعوب كافة.
كما أن يهوداً بريطانيين بارزين، يقودهم إدوارد مونتاجو، وزير الدولة البريطاني للهند في ذلك الوقت، اعترضوا على الإعلان، خوفاً من أن يؤدي مضمونه إلى تأجيج مشاعر معاداة السامية، خاصة في مدن أوروبا وأميركا الشمالية. وبالإضافة إلى ذلك، شعر العرب بأنهم تعرضوا للخيانة؛ حيث نُظر إلى مبادرة بلفور على أنها نكث بوعود زمن الحرب للعرب بالاستقلال السياسي بعد الحرب، في مقابل انضمامهم إلى الكفاح ضد العثمانيين. كما بشرت المبادرة أيضاً بالمشاكل المستقبلية التي ستنشأ بين تعزيز الحركة الصهيونية للهجرة اليهودية إلى فلسطين وبين السكان العرب الأصليين.
ينبغي الاعتراف بأنه حتى القادة الصهاينة لم يكونوا سعيدين تماماً بوعد بلفور. كانت هناك مكامن غموض متعمدة متضمنة في لغته. وعلى سبيل المثال، كان الصهاينة يفضلون استخدام تعبير "الوطن القومي" بدلاً من "وطن قومي". كما نُظِر إلى التعهد بحماية الوضع الراهن للسكان من غير اليهود على أنه يؤسس لمشكلة في المستقبل، على الرغم من أن هذا الافتراض لممارسة القوة الاستعمارية مسؤولياتها لم يتم تفعيله مطلقاً، كما اتضح لاحقاً.
وأخيراً، تلقى الصهاينة في الوعد الدعم لإقامة وطن قومي، وليس دولة ذات سيادة، على الرغم من أن الحديث البريطاني خلف الكواليس وافق على أن دولة يهودية ربما تظهر في المستقبل، وإنما فقط بعد أن يصبح اليهود أغلبية في فلسطين.
وهكذا، من الجدير إلقاء هذه النظرة على وعد بلفور لندرك كيف تحول الطموح الاستعماري إلى ذنب ليبرالي وتعاطف إنساني مع محنة يهود أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، في حين خلق كابوساً لا ينتهي من خيبة الأمل والقهر للفلسطينيين.
• 1947: بعد الحرب العالمية الثانية، ومع تصاعد الصراع في فلسطين إلى مستويات كثيفة، ووجود الإمبراطورية البريطانية في حالة سقوط حر، تخلت بريطانيا عن انتدابها في فلسطين وأعطت الأمم المتحدة الوليدة مهمة تقرير ما يجب عمله.
أنشأت الأمم المتحدة مجموعة رفيعة المستوى لصياغة اقتراح، وهو ما نتج عنه مجموعة من التوصيات التي شهدت تقسيم فلسطين إلى اثنين من المجتمعات؛ واحد لليهود والآخر للعرب. وتم تدويل القدس، بحيث لا يمارس أي من المجتمعين سلطة الحكم عليها ولا يحق لأي منهما المطالبة بالمدينة كجزء من هويته الوطنية. وتم اعتماد تقرير الأمم المتحدة باعتباره اقتراحاً رسمياً في شكل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181.
قبلت الحركة الصهيونية قرار الأمم المتحدة رقم 181، في حين رفضته الحكومات العربية وممثلو الشعب الفلسطيني، وقالوا إن القرار يعتدي على حقهم في تقرير المصير، بالإضافة إلى كونه غير عادل بشكل فادح. ففي ذلك الوقت، كان اليهود يشكلون أقل من 35 في المائة من سكان فلسطين، لكن القرار أعطاهم أكثر من 55 في المائة من الأراضي.
كما كانت التوقعات على نطاق واسع، تلا ذلك نشوب حرب شهدت دخول جيوش الدول العربية المجاورة إلى فلسطين، لتتعرض للهزيمة على أيدي الميليشيات الصهيونية المسلحة والمدربة تدريباً جيداً. وكسبت إسرائيل الحرب التي انتهت إلى سيطرتها على 78 في المائة من فلسطين مع الوقت تم فيه التوصل إلى هدنة، وتم تشريد أكثر من 700.000 فلسطيني وتدمير مئات القرى الفلسطينية.
وتشكل هذه التجربة أحلك اللحظات التي عاشها الفلسطينيون، والمعروفة فيما بينهم باسم "النكبة".
• 1967: أما الذكرى السنوية الثالثة التي سيشهدها العام 2017، فهي ذكرى العام 1967، التي أدت إلى تعرض جيران إسرائيل العرب إلى هزيمة أخرى، وامتداد الاحتلال الإسرائيلي ليشمل فلسطين كلها، بما في ذلك كامل مدينة القدس وقطاع غزة.
غيَّر الانتصار الاسرائيلي في العام 1967 المعادلة الاستراتيجية بشكل كبير. وعلى حين غرة، تحولت إسرائيل، التي كان ينظر إليها سابقاً على أنها عبء استراتيجي على كاهل الولايات المتحدة، إلى شريك استراتيجي يحق له الحصول على الدعم الجيوسياسي غير المشروط.
في قراره الشهير رقم 242، قرر مجلس الأمن الدولي بالإجماع يوم 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1967 أنه يجب التفاوض على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة حديثاً، مع بعض التعديلات المتفق عليها في الحدود، في سياق التوصل إلى اتفاق سلام يشتمل على حل عادل للنزاع، ويعالج مسألة اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في جميع أنحاء المنطقة.
ولكن، على مدى الخمسين عاماً التالية لم يتم تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242. وعلى العكس من ذلك، زادت إسرائيل من تعديها على الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال بناء مستوطناتها وتوسيع البنية التحتية ذات الصلة، ووصلت الأمور الآن إلى نقطة حيث يعتقد البعض أن قيام دولة فلسطينية مستقلة تتعايش مع إسرائيل لم يعد ممكناً، أو حتى مرغوباً فيه.
تشكل هذه المناسبات الثلاث، ثلاث مراحل في الوضع الفلسطيني الذي لا يني يزداد تدهوراً باطراد. كما أنها تكشف عن عدم قدرة الأمم المتحدة أو الدبلوماسية الدولية على إيجاد حل لمشكلة كيفية تقاسم الفلسطينيين واليهود للأرض.
كما يبدو الآن، فات الأوان لعكس وجهة هذه التيارات القوية للتاريخ، لكن التحدي ما يزال قوياً للعثور على حاصل إنساني يسمح بطريقة أو بأخرى لهذين الشعبين بالعيش معاً أو في مجتمعات سياسية منفصلة.
دعونا نأمل بشدة أن يتم التوصل إلى حل مُرضٍ قبل أن تجذب ذكرى أخرى اهتمامنا.

*أستاذ ألبرت ميلبانك الفخري للقانون الدولي في جامعة برينستون، وزميل بحث في مركز أورفاليا للدراسات العالمية. كما كان مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الإنسان الفلسطيني.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: 2017: Palestine’s Three Bleak Anniversaries

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق