إبراهيم غرايبة

اقتصاد المعرفة: التحديات والاستجابة

تم نشره في الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2017. 12:07 صباحاً

يفترض، بطبيعة الحال، أن تنشأ حول اقتصاد المعرفة، بما هو التقنيات والموارد الجديدة (الحوسبة والتشبيك والتصغير والأنسنة والجينوم، والروبتة، والطابعات ثلاثية الأبعاد والبرمجة الإدراكية...)، منظومة اجتماعية وثقافية. وبالطبع، تبدو التقنيات والموارد واضحة ومجمعاً عليها، لكن التشكل الاجتماعي والثقافي ليس واضحاً ولا حتمياً أو تلقائياً. فالمجتمعات وإن كانت تتبع الأسواق، فإنها أبطأ منها بكثير، ولا تسلك في تشكلها على نحو متوقع تلقائياً.
الاستجابة المقترحة تأتي في مسارات ثلاثة: إنشاء العلاقة الصحيحة والملائمة بين الموارد والتقنيات وبين التشكلات والاستجابات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية؛ ومواجهة العلاقات والتشكلات الخاطئة، وإعادة صياغة الأهداف والأغراض العملية للإصلاح، في ظل الفرص والتحديات الجديدة الناشئة عن هذه التقنيات والموارد؛ وأخيراً إعادة تعريف الإصلاح نفسه، والتمييز بين الإصلاح وضده.
أتوقع أن الاتجاهات الاجتماعية والثقافية الجديدة، الصاعدة في ظل اقتصاد المعرفة وتقنياتها، تتمثل في خمسة اتجاهات رئيسة، هي: أسلوب الحياة ومهاراتها؛ والمجتمعات والمدن المستقلة؛ والفنون الجميلة والإبداعية، من العمارة والشعر والموسيقى والتصميم والرواية والرسم؛ والفلسفة والتصوف؛ والإنسان الذي يعمل بنفسه ولنفسه. وبالطبع، فإنها مقولات وتقديرات تحتاج إلى توضيح وإثبات.
مؤكد أن الإنسان يبحث ويفكر في القيم الجديدة والناشئة، وتلك المتغيرة بفعل التحولات التي تجري في الأسواق والموارد. وبسبب سرعة هذه التحولات وجذريتها، فإن الأفراد والمجتمعات يعطون أولوية وأهمية لأسلوب الحياة، باعتباره التكيف الضروري الذي يجب اتباعه. وكانت الفردية ضريبة تؤدى في مجتمعات واقتصاد الصناعة، لكنها تتحول في اقتصاد المعرفة إلى فضيلة وضرورة اجتماعية، يحمي بها الإنسان نفسه من الانتهاك والخواء. وهكذا، تصعد قيم الفردية باعتبارها مبدأ أخلاقياً رفيعاً وحقاً جديداً للإنسان، ليحمي نفسه من غوغائية التقنيات الجديدة وانتماءاتها، وليرتقي بنفسه، ويحل فيها القيم والمعرفة والمهارات الجديدة التي تحميه من المجتمع واتجاهاته الجديدة. والعلاقات الاجتماعية نفسها تتعرض لتحولات وتحديات؛ ففي فرص العمل، في المنزل أو عن بعد، يقل الدور الاجتماعي لمؤسسات العمل، وهي نفسها تواجه الانحسار والتحول. وفي فرص التعلم الذاتي وعن بعد، يقل الدور الاجتماعي للمدارس والجامعات. وهكذا، فإن الإنسان في حاجة إلى أوعية جديدة لتنظيم علاقاته. وصار الإبداع القوة الرئيسة المحركة لاقتصاد المعرفة وأسواقها، وهذا يجعله هدفاً أساسياً للتعليم والتدريب، ومقياساً للتقدم المهني والاجتماعي، وجوهر التنافس على فرص العمل والقيادة. وهكذا، تصبح الثقافة والفنون والموسيقى والكتابة الإبداعية والشعر والرواية والقصة والعمارة والتصميم، المحتوى الأساسي للمؤسسات التعليمية والتدريبية؛ لأن الإبداع والخيال أهم صفة يجب أن تتحلى بها السوق والعاملون فيها.
ويعتمد التقدم العلمي والتقني الجديد على معرفة الإنسان وفهمه. ففي محاكاة التقنية للإنسان، تصعد علوم اللغة وعلم النفس والاحتمالات. فجوهر التقدم العلمي والتقني، اليوم، هو تحويل اللغة والإمكانات والمهارات العقلية والتحليلية والتذكر والتداعيات والترجمة والتفكير، إلى رموز وبرامج حاسوبية وأجهزة وروبوتات. وبطبيعة الحال، يصعد عدم اليقين ليحل محل اليقين؛ فتتراجع أهمية العلوم اليقينية. وتصعد الفلسفة، وتحتل موقعاً جوهرياً ومؤثراً في العلم والتقنية والحياة. وفي إعادة النظر في المعنى والجدوى والوجود والمصير، يصعد التصوف والفلسفة؛ التصوف بما هو التأمل الفردي والبحث عن الإجابات والإلهام، والفلسفة بما هي محاولة إدراك حقائق الأشياء.
إنسان المعرفة، بفرديته وإمكاناته الجديدة، في المعرفة والعمل، وقدراته على العمل بنفسه، يعيد تعريف المهن والحرف. وتتغير تبعاً لذلك المدن والمجتمعات، وعلاقتها بالأفراد والدولة والسوق. ففي مدن الأفراد القادرين على العمل بأنفسهم ولأنفسهم، والذين لم يعودوا في مواردهم يرتبطون بمؤسسات عمل محددة، وأنظمة عمل تقليدية، يتغير تخطيط المدن والطرق والبيوت، وتتغير، أيضاً، العلاقة مع السلطات والأسواق... إنها مدن ومجتمعات أقرب إلى الاستقلالية والقدرة على تنظيم احتياجاتها وأولوياتها أو معظمها، بلا حاجة كبيرة إلى السلطة المركزية، فتصعد أنظمة الحكم المحلي واللامركزية، ويدبر الأفراد وأهل المدن معظم احتياجاتهم وخدماتهم الأساسية، ما يجعلهم أكثر ولاية على أنفسهم واحتياجاتهم وخدماتهم، ويصبح للديمقراطية والحريات محتوى ومعنى جديدان ومختلفان.

التعليق