د.أحمد جميل عزم

"شعبويات" إسرائيلية عالمية تواجه المؤسسة

تم نشره في الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2017. 01:02 صباحاً

من المثير للانتباه أنّ من يمثل "الشعبوية" التي تتمكن من حشد جزء كافٍ من الجماهير (رغم أنه في الغالب لا يصل حد الأغلبية الشعبية)، في أكثر من دولة في العالم، توصله إلى الحكم، تواجهه نخب عسكرية وسياسية وفكرية تتجه، بمساعدة إعلاميين وغيرهم، لمواجهة الشعبويين، بكشف الفساد القانوني، والعلاقات المشبوهة، في دوائرهم. وفي الوقت الراهن، يثار الدور الإسرائيلي في ثلاث دول، أولاها دولة الاحتلال ذاتها، ثم بريطانيا والولايات المتحدة.
تقوم الشعبوية كما نراها لدى الإسرائيليين، وكما رأيناها في حملة إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي الولايات المتحدة وفوز دونالد ترامب (وكما سنراها في دول أخرى إذا دققنا في المشهد)، على إثارة المخاوف والعداء ضد طرف ما (المهاجرون، والإرهاب، ودول أخرى)، لصالح حشد دعم كافٍ للوصول إلى السلطة. وما حققه حزب الليكود (حزب بنيامين نتنياهو) لا يزيد على 25 % من مقاعد البرلمان الإسرائيلي، وترامب فاز مع أنّ منافسته هيلاري كلينتون حققت عدد أصوات أعلى منه، لكن النظام الانتخابي الأميركي القائم على ما يسمى "المجمع الانتخابي" أعطاه الفوز. وفي بريطانيا، دخل الشعبويون، من أمثال وزير الخارجية بوريس جونسون، من بوابة حملة التحريض ضد الاتحاد الأوروبي، وليس الانتخابات.
وفيما يتحالف ترامب مع الإسرائيليين، لا يبدو الوضع مطابقا في بريطانيا. ولكن الأيدي الإسرائيلية تثير فضيحة هناك.
في حالة نتنياهو الذي يبدو قادرا على قيادة ماكينة انتخابية ومخاطبة الجمهور بالكثير من التطرف، لدرجة التحريض ضد العرب في الانتخابات، والقول إنهم يأتون قوافلَ للانتخاب، وتبني مشاريع منع الأذان، والدفاع المستميت عن الجندي ليئور عازاريا، الذي قتلَ الشهيد عبدالفتاح الشريف، الجريح، والذي يرد وهو رئيس وزراء على قرار قضائي رسمي بشأن عازاريا، بالقول كان "يوماً صعباً وحزيناً للجميع، خصوصاً للجندي نفسه وعائلته وجنود الجيش الإسرائيلي والعديد من المواطنين وأولياء أمور الجنود وبينهم هو نفسه". وهو بذلك يشارك في حالة إسرائيلية، وصفها مراسل صحيفة "الحياة" اللندنية، أسعد تلحمي، بالقول: "ولا مبالغة في القول إن متابعة الموضوع (عازاريا) في وسائل الإعلام كلها تشابه إلى حد كبير تغطية حرب أو حدث كارثي أو تاريخي".
في الحالة الإسرائيلية، فإنّ وزير الدفاع السابق موشيه يعلون، رغم تطرفه اليميني، حاول وقف الحالة التي يوجدها نتيناهو ووزراء آخرون، لأنّهم يدمرون المؤسسة، ويودون التلاعب بالجيش، وإخضاعه لأهوائهم السياسية ولفتاوى دينية متطرفة. وهذا الأسبوع، تقدم خمسة من القادة السابقين للجيش الإسرائيلي يناصرون رئيس الجيش الحالي، غادي ايزنكوت، في وجه الحملة من السياسيين والجمهور على خلفية موضوع الجندي عازاريا، وقالوا إن ما يجري عبور لخط أحمر. وقال أحدهم (بني غانتس): "لست قلقا على إيزنكوت، بل أنا قلق على البلاد". والأبرز من هذا الموقف، التحقيقات القضائية باتهامات فساد ضد نتنياهو التي جاءت بعد حملة إعلامية يُعتقد أن مسؤولين سابقين يقفون خلفها، لهزيمة نتنياهو قضائيا بعد العجز عن هزيمته انتخابيا.
في الولايات المتحدة، فإنّ نظرة لمجلة "فورين أفيرز" التي تعبر عن "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي، ويضم أهم المفكرين الأميركيين في السياسة الخارجية، فإنّ هناك وضعا غير مسبوق من هجوم المجلة على "شعبوية" ترامب وعدائه للنظام الدولي. وفي صحف، مثل "نيويورك تايمز" تقارير عن شبهات فساد لأشخاص حول ترامب، من مثل الحديث عن صفقات يعد لها صهر ترامب اليهودي الصهيوني، جاريد كوشنر مع شركات صينية، وعن توقع تعيين كوشنر بموقع رسمي رفيع.
وفي بريطانيا، أثارت قناة "الجزيرة" فضيحة بفيلمها عن اللوبي الإسرائيلي، يوضح تدخل دبلوماسي إسرائيلي شاب (المسؤول السياسي في السفارة، القريب أو المرتبط بالاستخبارات الإسرائيلية)، مع موظفة برلمانية، يناقش معها التخلص من نواب ومسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية، في نموذج ربما لنمط العمل الشعبوي بتدبير المشكلات والفضائح للخصوم.
لقد باتت أنماط العمل الشعبوي، القائم على إثارة مخاوف الجمهور، وتحريضه، والعلاقات الشخصية المشبوهة، أمرا يقلق الكثير من المنظرين والخبراء والسياسيين التقيلديين، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة حملات غوغائية تحاول منعهم من الالتزام بالعقلانية والقانون، حتى وإن كان هؤلاء السياسيون متطرفين بدورهم، وبات الأمر ظاهرة عالمية تفرض نفسها في التحليل السياسي.

التعليق