"الجينوم" هل نحن مستعدون؟

تم نشره في الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً



لا شك أن التطورات التي حدثت في العلوم المتعلقة بالـ"جينوم" في السنوات الأخيرة، قد غيرت وستغير طريقة ممارستنا للطب؛ وقايةً وعلاجاً.
فالتطور السريع في تقنيات "التسلسل"، جعلت هذه التقنية في متناول اليد لكثير من الدول والمؤسسات، بل وحتى الأفراد، فأصبحت الدول تستخدم قاعدة البيانات الضخمة الناتجة عن تحليل "الجينوم البشري" في التخطيط الصحي، وبناء استراتيجيات للوقاية من الأمراض الوراثية التي تنتشر في هذه الدول. كما شكّل تحليل الـ"جينوم" الأساس لما بات يعرف بـ"الطب الدقيق".
ولن تكون منطقتنا العربية بمنأى عن هذه الثورة في مجال الصحة والطب، وإن اكتفت حالياً بدور المتلقي السلبي لهذه التقنية. فها هي بعض دول الخليج العربي تسارع إلى انشاء مشاريع "جينوم" خاصة بها.
لكن ككل التقنيات الجديدة، لا بد لهذه التقنية "الثورة" من أعراض جانبية. إذ رافق انتشار تحليل "الجينوم البشري" الاصطدام بقضايا قانونية وأخلاقية لا بد من إيجاد حلول مناسبة لها، وإلا وقعنا في محاذير قد تكون ذات عواقب وخيمة، خاصة في منطقة ما تزال القبيلة ورابطة الدم تشكل الوحدة الاجتماعية الأكثر تماسكاً فيها؛ وفي ظل قصور القانون المدني عن معالجة الكثير من القضايا الطبية والأخلاقية الناشئة، وتردّد المؤسسات الدينية في الخوض في القضايا الأخلاقية والشرعية التي ترافق القضايا المعاصرة.
يكمن التحدي الأكبر في التعامل مع نتائج تحليل الجينات على مستوى الأفراد في كيفية التعامل مع ما يسمى "النتائج العرضية"؛ وهي نتائج غير متوقعة، قد تشير إلى إصابة الفرد أو أفراد عائلته بمرض وراثي ما، في الحاضر أو في المستقبل؛ أو انتماء شخص ما أو عائلة إلى عرق أو قبيلة ما، أو فيما يتعلق بنفي أبوة شخص ما، وكيفية التعامل مع النتائج المتعلقة بالأطفال دون السن القانونية.
نحن نعي أهمية أن يوصم شخص أو عائلة بأي من الأمور السالفة الذكر، وما قد ينتج عنها من نتائج قد تكون كارثية، ما لم توضع الضوابط الأخلاقية والقانونية التي تحكم سرية الوصول إلى المعلومة، وما هي المعلومات التي يمكن أو يجب الكشف عنها، وتلك التي لا يمكن أن يؤدي الكشف عنها إلى فائدة للشخص المعني.
كما ينبغي عدم اغفال احتمالية استخدام هذه المعلومات من قبل الحكومات أو الجهات الأخرى في أمور قد تشكل تعديا على خصوصية الأفراد، ما قد يوقع ضررا أكبر عليهم. ومثال ذلك الضجة الكبيرة من قبل المؤسسات الحقوقية العالمية رداً على قانون سنته إحدى دول المنطقة، يجبر المواطنين والزائرين على الخضوع لتحليل الـ"DNA" لغايات أمنية، وهو ما اعتبر تعدّيا واضحا على حق رئيس من حقوق الانسان، وهو الخصوصية الفردية.
لا شك أن هناك محاولات خجولة للتعامل مع القضايا الأخلاقية والقانونية المصاحبة لهذا الموضوع المهم، منها المؤتمر الذي احتضنته العاصمة القطرية الدوحة، مؤخراً، وضم علماء من مجالي الشريعة والأخلاق الطبية. إلا أن هذه الجهود ما تزال قاصرة عن الإجابة عن الأسئلة الملحة كافة التي ستواجه أي برنامج للـ"جينوم" مستقبلا.

التعليق