نقل السفارة.. خطوة في الاتجاه الخاطئ

تم نشره في الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً

محمد الشواهين

منذ أكثر من عشر سنوات ونحن نسمع عن نية لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس؛ فنشتاط غيظا ثم نهدأ. ومع تأجيل وراء تأجيل، لعب الساسة الأميركيون بأعصابنا كثيرا.
 كفلسطينيين وعرب، أعطينا هذا الموضوع أهمية تفوقت على مواضيع أكثر أهمية، حسب اعتقادي الشخصي. من ذلك مثلا، بناء المستوطنات على الأرض الفلسطينية، ومصادرة أجزاء أخرى لأغراض عسكرية وغير عسكرية، بمساحات كبيرة، لدرجة أن الأرض التي بقيت في يد الفلسطينيين حاليا أقل من المساحات التي تضع السلطات الإسرائيلية يدها عليها؛ فما بالك إذا استمرت الحال على هذا المنوال لعشر سنوات مقبلة وأكثر؟ ترى، هل سيبقى من الأرض ما يمكن أن يتم التفاوض بشأنه؟
ربما لا أكون خبيراً في أمور السياسة، لكن من باب حقي في إبداء رأيي أقول إن إسرائيل سوف تظل تراهن على مسألة الوقت والتأجيل والتسويف، كي لا تعيد شيئا من الضفة، لأنها ستكون حينها قد ابتلعتها كليا، ولن تقوم دولة فلسطينية مستقلة ولا ما يحزنون.
وربما يكون تحليلي هذا خاطئا، وأتمنى أن يكون كذلك، فأكحل عيوني برؤية دولة فلسطينية مستقلة، عاصمتها القدس الشريف، تقوم على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967. والأمنيات كثيرة وليس لها حدود.
أعود إلى موضوع تهديد الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، بنقل سفارة بلاده إلى القدس؛ فقد أشار المراقبون إلى أنها خطوة في الاتجاه الخاطئ، لأنها ستثير مشاعر العرب والمسلمين، وتؤدي إلى دفع البعض نحو مزيد من التطرف الذي يقود إلى الإرهاب، فما مصلحة ترامب في العبث في عش الدبابير هذه الأيام، وهو يرى المنطقة تعيش على صفيح ساخن، يكوي من يطأه؟
الرئيس ترامب شخصية جدلية، كما يقول العارفون والمتابعون؛ له "نهفات" تثير العجب. لكنه عما قريب سيجلس على كرسي رئاسة دولة تعد الأقوى والأعظم في العالم. وما دام الأمر كذلك، فإن ترامب الذي يوصف بالمزاجية، لن يُترك له الحبل على الغارب، بل ثمة ضوابط ذاتية ومؤسساتية ستقوم بضبط تصرفاته وقراراته في ضوء المصالح الأميركية.
وقد قلت "عش الدبابير" لأنني تذكرت بعض الأحداث التي واجهتها أميركا بألم وفجيعة، منها على سبيل المثال، تدمير معظم قطع الأسطول الأميركي في  بيرل هاربر، وخروجها من حرب فيتنام وهي تجرجر أذيال الهزيمة. أما في العام 1983، فأذكر جيدا الهجوم المباغت الذي شنه المقاومون العرب على مقر قوات المارينز في بيروت، وخلف 299 قتيلا. وأخيرا تدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001. وأميركا وقادتها يرون بأم أعينهم كيف أن الإرهاب اتسع واستشرى، ولا توجد دولة في الدنيا مهما بلغت عظمتها محصنة منه، فما داعي الاقتراب من "عش الدبابير"؟! استخلاص العبر واجب حتمي لكل من ألقى السمع وهو شهيد.
ثمة من يقول إن اللوبي الصهيوني هو وراء الدفع في هذا الاتجاه. وطبعا أفهم أن فكرة نقل السفارة إلى القدس، وتصريحات ترامب في هذا الشأن، نزلت بردا وسلاما على قلوب قادة الدولة العبرية وأساطين الحركة الصهيونية في منظمة "إيباك" وغيرها. لكن هنا أود أن أشير إلى سياق متصل، هو لعبة المصالح التي تبقى عاملا على قدر من الأهمية في السياسة الدولية. ولا أعتقد أن صناع القرار في الولايات المتحدة في غفلة عن هذه المسألة؛ فلأميركا مصالح كبيرة ومتعددة مع العرب، كما لها مصالح مع إسرائيل، وهي وحدها المطلوب منها الموازنة بين هذا وذاك. فالقدس ليست كأي مدينة، إنها مهوى قلوب الملايين من العرب والمسلمين.
بقي أن أشير إلى أن المطلوب من العرب وقفة كتلك التي وقفها المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، عندما أمر بقطع البترول عن كل دول الغرب المساندة لإسرائيل خلال حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، على الرغم من حالة التردي التي نعيشها الآن.

التعليق