أعوام الرمادة؟!

تم نشره في الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2017. 01:10 صباحاً

في معرض دفاعه عن الإجراءات التي تنوي الحكومة اتخاذها من أجل ضبط العجز والمديونية، ذكر وزير المالية أنّه لم يتبقَ أي خيار أو حلّ آخر، غير تلك الحزمة المطروحة على النواب؛ من إلغاء الدعم على بعض السلع، وزيادة الرسوم والضرائب.
الشارع، على الجهة المقابلة، يتحدث بغضب عن عدم القدرة على تحمّل نتائج هذه السياسات، ويرى بأنّها تقتصر على الحلول المعروفة التقليدية؛ جيوب المواطنين، من دون التفكير بأساليب جديدة خلاّقة لضبط النفقات أولاً، ولزيادة الإيرادات ثانياً، عبر إيجاد حلول جذرية وحقيقية لمشكلات مزمنة، الكل يعرفها؛ مثل التهرّب الضريبي الذي يقدّر سنوياً بمئات الملايين من الدنانير، من دون أن نجد حلّا حقيقياً إلى الآن!
المشكلة في "العقلية الرسمية" أنّها لا تفكّر إلا في المشكلات المالية، من دون النظر إلى المعضلات الاقتصادية الخطرة، مع تدحرج معدل البطالة نحو الارتفاع والصعود المستمر، وتآكل الدخول مقارنةً بالأسعار، وفقدان شريحة اجتماعية واسعة القدرة على "التكيّف" مع المتطلبات الاقتصادية؛ فذلك يحتاج إلى أن نتجاوز الدوران حول الأرقام في الموازنة، على أهميتها، للتفكير في المشهد العام، وربط الأوضاع الاقتصادية بالاجتماعية والأمنية والسياسية.
أصبح الحديث عن الاختلالات الاقتصادية الكبرى أمراً لا يمكن تجاوزه أو القفز عنه، أو ترحيله؛ فإعادة هيكلة سوق العمل باتت ضرورة وطنية وأولوية حقيقية. وهي أولوية تستدعي بدورها أولويات أخرى، مثل إصلاح قوانين العمل، والحدّ الأدنى للأجور، وتدريب وتأهيل العمالة الوطنية لإحلالها في قطاعات رئيسة محل الوافدة. وربما القطاعان الأوّلان اللذان يمكن بالفعل تحضيرهما لهذه العملية الجراحية الاقتصادية الاجتماعية، هما قطاع الخدمات والسياحة اللذان يمكن أن يوفّرا، بالحدّ الأدنى، عشرات الآلاف من فرص العمل.
لم يعد ممكناً تجاوز معادلة البطالة والعمالة؛ فأن يكون لدينا قرابة مليون عامل وافد، في مختلف المجالات، بينما تصل البطالة في صفوف الشباب إلى نسبة 40 %، في دولة تعاني من معدل مديونية مرتفع وعجز في الموازنة، وتعتمد على القروض الداخلية والخارجية، فتلك "علّة" جوهرية من عللنا الاقتصادية-الاجتماعية والثقافية.
دعونا من معزوفة "ثقافة العيب"؛ فهي حمالة يرمى عليها تقصير الدولة والمسؤولين في القيام بواجباتهم. شبابنا وخرّيجو الجامعات وطلبتها يعملون اليوم في خدمات اصطفاف السيارات والمقاهي والمطاعم والفنادق، حيث نشاهدهم يومياً. وهي ظاهرة إيجابية وجيدة؛ فقط افتحوا الأبواب، واخلقوا البيئة المناسبة، ووفروا القطاع الخاص والأجور العادلة، وبعد ذلك فلنتحدث عمّا تبقى من ثقافة العيب!
ندرج هذ الكلام ونحن أمام هواجس حقيقية وسيناريو مرعب أشار إليه د. وليد عبدالحي، العالم المتخصص بالمستقبليات، بمنشور على صفحته على موقع "فيسبوك"، مؤخراً، عمّا سماه "عام الرمادة" المقبل، من خلال رصد أرقام مقلقة عن تراجع دخل دول الخليج، وانقلاب فائض 600 مليار دولار في العام 2010 إلى عجز 700 مليار دولار العام 2020.
ومن خلال مقارنة أسعار النفط بمعدلي النمو الاقتصادي والديمغرافي، وبمشكلات متنامية ستأخذ مدى أخطر في المرحلة المقبلة، مثل المديونية المتراكمة والفقر المائي والإنفاق العسكري، ومجموعة أخرى من الأرقام والإحصاءات والمتغيرات، يصل وليد عبدالحي إلى نتيجة أنّ سوق العمالة في الخليج ستشهد جفافاً كبيراً خلال الأعوام المقبلة. مع التذكير أنّ لدينا مئات الآلاف من الأردنيين العاملين هناك، فهل سننتظر مثل هذا السيناريو حتى يتحقق؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحلول ليست بهذه الصعوبة (ابو محمد)

    الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2017.
    نعم التغير ممكن بقليل من الإدارة مثال ذلك أن أحد المصانع كان يوظف عماله وافدة (غير مرخصة) لأغراض المناولة في أوقات الذروة بأجر يومي 20 دينار و بعد جولة تفتيشية من وزارة العمل أوقفت هذه الشركة العمالة الوافدة و أصدرت إعلان توظيف عمال ميامة أردنيين بنفس الأجر حيث إمتلأ المصنع بالشباب المستعدين للعمل و بنفس الأجر و القدرة مع ملاحظة نسبة بسيطة منهم بحاجة الى تأهيل مسبق على قيم العمل و حتى من حيث الشكل الخارجي, إذن قليل من التدريب النفسي و المهني يمكن أن يقدم الى السوق عشرات آلاف العمال من أبناء البلد دون إغفال بيئة العمل في داخل الشركات أيضا.
  • »والجامعات الرسمية تطالبنا بالرجوع على عجل (دكتور مغترب)

    الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2017.
    مشكور اخي محمد
    احب الى الإشارة إلى موضوع طرحته الكاتبة جمانة قبل شهر تقريبا وهو اجازة أعضاء الهيئة التدريسية
    بالرغم من المشاكل الاقتصادية و مشكلة "عام الرمادة" تظل تعليمات الجامعات تطالب أعضاء الهيئة التدريسية المغتربين الرجوع بعد 5 سنوات كحد أعلى وتبقى القوانين عقيمة عن إيجاد حلول
    نرجو طرح هذا الموضوع بشكل أعمق لعله يجد أذان صاغية
  • »تشليح الاقتصاد من عوامل الاستقرار التلقائية (بسمة الهندي)

    الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2017.
    ما يفعلونه لا علاقة له بمبادئ علم الاقتصاد وإنما "بجشع" الأقلية المستفيدة من هذه الميزانية المشوهة؛ يتعاملون مع الميزانية العامة كأنها ميزانية "أسرة معيشية" لتلك الأقلية لا ميزانية دولة (وجزء من اقتصاد كلي) وأن هناك مصاريف وامتيازات لهم يجب أن تغطيها الميزانية.
    هناك مصطلح في الاقتصاد Automatic Stabilizers وهو يعني، باختصار ودون شرح تفصيلي، مجموعة السياسات والبرامج التي تخفف تلقائيا من نتائج تراجع النمو الاقتصادي وتساهم في إعادة استقرار الاقتصاد وأيضا تلقائيا دون حاجة لتدخل مباشر من الحكومة، ما يفعلونه هو "تشليح" الاقتصاد من عوامل الاستقرار التلقائية. أنصح المسؤولين والمهتمين بما يجري من الصحفيين والسياسيين أن يقرأوا عن هذا المصطلح كي يفهموا خطورة ما يحدث وأن ما يحدث يناقض كل ما نعرفه عن مبادئ الاقتصاد. هذا ليس اقتصاد، وهذا تخريب مالي لا اصلاح مالي.
    موظفوا صندوق النقد الدولي المسؤولون عن ملف الأردن غير مؤهلين ولا يليق بصندوق النقد الدولي أن يمثله هكذا موظفون قاصرون غير مؤهلين كفاية؛ أداؤهم ضعيف ويجب على الصندوق استبدالهم والاعتذار للشعب الأردني عن أداؤهم الكارثي. عندما حوكمت كريستين لاغارد، مديرة الصندوق، في فرنسا قال محاموها أن سبب مخالفتها هو "الاهمال" و "السذاجة السياسية"؛ في أحسن الأحوال فإن ما فعله هؤلاء الموظفون مع الأردن هو اهمال وسذاجة سياسية مثلما فعلت مديرتهم في فرنسا.