إبراهيم غرايبة

تحرير مسألة "المدنية"

تم نشره في الخميس 12 كانون الثاني / يناير 2017. 01:05 صباحاً

اكتسب العمل السياسي "المدني" زخما جديدا بعد الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك عبدالله الثاني بعنوان "سيادة القانون أساس الدولة المدنية"، ثم الإنجاز الانتخابي لكتلة "معا" التي قدمت نفسها إلى الناخبين على أساس "الفكر المدني". وأمس، نشر د. مروان المعشر مقالة في "الغد" بعنوان "توحيد الجهود لإنشاء حزب مدني ديمقراطي". لكن هل تكفي فكرة "الدولة المدنية" لتشكيل حزب سياسي؟ الحال أنها مظلة أوسع بكثير من أن يختص بها حزب سياسي، وتصلح مظلة ومرجعية لجميع الأحزاب السياسية، بل يجب أن تكون كذلك. وللسبب نفسه، فلا يمكن أن يكون هناك حزب مدني أو تيار مدني، إلا إذا كنا نفترض وجود تيار غير مدني، وفكر مناهض لمدنية الدولة. لكن يفترض نظريا أن ذلك غير وارد إلا في إطار خارج الدستور والقوانين؛ إذ لا يجوز أن يكون حزب سياسي مرخص يعمل علناً ويناهض الدولة المدنية؛ فالمادة الدستورية "الأمة مصدر السلطات" تستوعب فكرة الدولة المدنية، وتعني أيضا وبالضرورة أنه لا يجوز تشكيل أحزاب وجمعيات ترفض ولاية الأمة. والأمة تعني هنا بالضرورة الشعب الاردني ولا تشمل من ليس أردنيا، والمعنى الاجتماعي للأمة بمعنى العرب أو المسلمين، برغم شيوعه وكثرة استخدامه، ليس واردا بحال من الأحوال.
من الضروري، بالطبع، أن يكون الفكر المدني؛ بمعنى ولاية "المواطنين" وسيادة القانون والفصل بين السلطات، أساسا للحزب "المدني". لكنها مبادئ هي أيضا تشكل أساسا لكل حزب سياسي يعمل وفق الدستور. ومن ثم، فإنها مبادئ على ضرورتها وأهميتها، لا تكفي وحدها لتشكيل حزب سياسي؛ إذ بالاقتصار عليها أو الاكتفاء بها، لا يعود ثمة داع لحزب سياسي، أو لا مبرر أن يكون أكثر من حزب سياسي طالما أنها مبادئ تجمع المواطنين جميعهم، ولا يُسمح ابتداء بوجود تيار أو حزب يناقضها، إذ إن مخالفتها أو الخروج عليها يعني مناهضة الدولة نفسها واختراق عقدها الاجتماعي ولا تختلف عن الإرهاب في شيء!
لا بأس، بالطبع، أن تؤكد الأحزاب على الأسس والأفكار المدنية، بل يجب أن تفعل ذلك. ولا بأس، بل يجب أن تعمل على مناهضة "اللامدنية". ولكنه واجب مشترك لجميع الأحزاب السياسية وجميع المواطنين، تماما مثل رفض الإرهاب ومواجهته.
الحزب السياسي؛ أي حزب سياسي، يجب أن يميز نفسه، إضافة إلى مبادئ الدولة المدنية، بفلسفة وأفكار واضحة ومحددة ومبررة، يعرّف بها نفسه ويعرفه بها المواطنون. ومن ثم، فإن هناك ضرورة لأحزاب سياسية تؤمن بالعقلانية الاجتماعية والأخلاقية، وأن المواطنين بما هم أحرار متساوون وأصحاب الولاية، قادرون بالضرورة على تقدير وتحديد قواعد واتجاهات إدارة الموارد العامة (جمعها وإنفاقها)، والعلاقة بين السلطة والمجتمعات والأفراد والأسواق. وهنا، وبطبيعة الحال، سوف تختلف الأحزاب فيما بينها في تقديمها لأفكارها وفلسفتها؛ في سياساتها وتصوراتها في تطبيق هذه القواعد والفلسفة تجاه الضرائب باعتبارها المورد الأساسي للدولة، ثم وفي ضوء ذلك إدارة وتنظيم المدن والخدمات الأساسية، كالتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والأسواق.

التعليق