أيهما أفضل: تمويل عجز الموازنة أم تخفيضه؟

تم نشره في الخميس 12 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً

أ.د سامر الرجوب*

يعتقد البعض أن برنامج الإصلاح المالي والهيكلي للأعوام 2016-2019 هو وليد السنوات الأخيرة مع أنه برنامج (وإن اختلفت المسميات) قد طبق منذ أكثر من 27 سنة.
وبدأ تطبيق برامج الإصلاح منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي حين قدم صندوق النقد الدولي مجموعة من التوصيات تشتمل على مجموعة الإجراءات والقرارات الاقتصادية، سميت بالإصلاحات لأنها تتطلب تحول الاقتصاد الأردني من اقتصاد مركزي الى اقتصاد حر يغلب عليه طابع القطاع الخاص وتحجم فيه التدخلات الحكومية في آليات تحديد الأسعار وتنخفض مستويات الدعم الحكومي على السلع والخدمات.
أما السبب الرئيسي في تقديم صندوق النقد الدولي مثل تلك التوصيات، فهو ارتفاع حجم الدين الخارجي في الثمانينيات وعجز الميزانية المزمن الذي لازم الموازنة العامة منذ وقت طويل.
وتتلخص خطوط البرنامج الإصلاحي العريضة منذ تبنيه في نهاية ثمانينيات القرن الماضي بمجموعة إجراءات تتمثل  بوقف جميع أشكال الدعم الحكومي المتعلق بالمواد الغذائية وأسعار الطاقة، والتوجه نحو خصخصة حصص الحكومات في الشركات، إيجاد آلية تحصيل ضريبي مباشرة تدخل مباشرة في الميزانية وتقلل من التهرب الضريبي، وقد خطط آنذاك للاستمرار في تبني هذا البرنامج حتى تتحسن مؤشرات الموازنة ويقل العجز الى مستويات آمنة ويختفي الدعم كليا عن السلع والخدمات.
ولهذا، نجد برامج الإصلاح المالي والهيكلي ترتبط ارتباطاً وثيقا بموازنة الدولة وطرق تقليص العجز المتمثلة بتقليل الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب للوصول في النهاية الى عجز موازنة تقديري آمن ولا يؤثر سلبا على الاقتصاد.
إن مثل هذه البرامج لا تتعارض مع المصلحة الاقتصادية ولا تتعارض مع توجهات السياسة الاقتصادية، فتخفيض عجز الموازنة الى مستويات آمنة أو تحويله الى فائض هدف لكل الدول.
وقبل تناول آثار الإجراءات المتوقعة مؤخراً، التي يمكن أن تتخذها الحكومة والمتعلقة بالدعم والضرائب، سأوجز بعض الآثار السلبية لتراكم وزيادة عجز الموازنة.
إن الآثار الاقتصادية السلبية لعجز الموازنة تتمثل فيما يلي؛
أولا: زيادة حجم الدين الخارجي والداخلي عن طريق الديون المباشرة من المؤسسات والبنوك الدولية أو عن طريق إصدار السندات الحكومية بمختلف أشكالها.
ثانيا: رفع مستويات أسعار الفوائد وارتفاع تكلفة الدين على الاقتصاد داخليا وخارجيا، وهو أمر ذو أثر سلبي سيؤدي الى رفع الضرائب على الأجيال اللاحقة.
ثالثا: ارتفاع مستوى التضخم وتراجع القيمة الحقيقية للعملة.
رابعا: ارتفاع الضرائب.
خامسا: مزاحمة القطاع الحكومي للقطاع الخاص في التنافس على الحجم المحدود من التسهيلات.
سادسا: تثبيط الاستثمار وتراجعه.
سابعا: تضارب أدوات السياسة النقدية والمالية وتعطيل أدوات السلطة النقدية التي تتحكم بالتضخم وعرض النقد.
ثامنا: ارتفاع احتمال تراجع التصنيف الائتماني للاقتصاد الأردني والبنوك الأردنية نتيجة الاستمرار في الاقتراض، مما يحد من قدرتها على الحصول على القروض أو يرفع من تكلفة الحصول عليها مستقبليا.
وهو ما حدث بالفعل داخل الاقتصاد الأردني وتفاقمت آثاره يوما بعد يوم وازدادت حدة مع حدوث الأزمة المالية العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة، وضياع خطوط التجارة البينية مع دول عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول المحيطة، حتى قرعت طبول النسب الحمراء لآثار تمويل عجز الموازنة، وتلك النسب لارتفاع نسب الدين الى الناتج المحلي الاجمالي، وتلك لارتفاع نسب الواردات الى الناتج المحلي الإجمالي والتي وصلت الى مستويات قياسية تتجاوز الخمسين بالمائة.
إن عجز الموازنة موجود منذ العام 1964 وليس بجديد علينا، كما أنه صفة ملازمة لمعظم دول العالم، إذن ما الجديد؟ ولم يتوجب إجراء إصلاحات مالية وهيكلية للاقتصاد الأردني؟
المشكلة تكمن في الكيفية التي قد مُول فيها عجز الموازنة، فقد مولت الحكومة عجز الموازنة منذ العام 2004 من خلال إصدار وبيع السندات الحكومية للبنوك المحلية حتى تراكم الدين الداخلي ليصل في العام 2016 الى 16.554 مليار دينار تتوزع بين سندات وأذونات خزينة (13.568 مليارا) والقروض والسلف (455 مليونا) وقروض وسلف المؤسسات الحكومية بموازنات مستقلة (2.532 مليارا) على شكل اسناد قرض وتسهيلات مباشرة.
هذا الارتفاع المتواصل في الدين الداخلي أدى بالحكومة للتوجه الى طرق أخرى لتمويل العجز من خلال طرح سندات دين دولية، لكن هذا البديل أدى الى رفع الدين الإجمالي الى مستويات قياسية وصلت إلى 93.4 % من الناتج المحلي الإجمالي ورفع سعر فوائد الدين على الاقتصاد الأردني ورفع التكلفة المستقبلية للحصول عليه مجدداً.
هذه الخيارات الصعبة أدت بالحكومة الى اللجوء الى الحل الجذري في الابتعاد عن تمويل العجز بالدين الى تمويل العجز من خلال؛ تخفيض الانفاق الحكومي المباشر، وتخفيض الدعم الحكومي، فقد خفضت الحكومة إجمالي الإنفاق بمقدار 1.6 % في العام 2015 وتم تخفيض الدعم الحكومي على المواد التموينية والمحروقات من 889.3 مليون دينار في العام 2012 الى 195.4 مليون دينار في العام 2015؛ أي بانخفاض كمي 693.9 مليون دينار وبنسبة انخفاض بلغت 78 %.
كما وقامت الحكومة بسلسلة من الإجراءات للعمل على زيادة الايرادات، وذلك من خلال رفع مستويات الضرائب والرسوم وفرض الجديد منها، الأمر الذي أدى الى رفع الإيرادات الضريبة والإيرادات الحكومية الأخرى (المتمثلة بالرسوم) منذ العام 2011، فقد ارتفعت الإيرادات الضريبية في العام 2014 بنسبة 10 % وارتفعت الايرادات الأخرى بنسبة 36 % في العام نفسه، مما يعني نية الحكومة الفعلية في رفع الضرائب والرسوم.
طبعاً، هناك حل آخر لتخفيض أو سد العجز من خلال طباعة النقود، لكن هذا الخيار يتسم بالخطورة وإثارة السلبية على قيمة العملة، وخصوصا في ضوء تواضع مستويات النمو وضعف القطاع الإنتاجي والقطاع التصديري، لذا فهو لا يعد خياراً ولا يتوجب حتى النقاش فيه.
وننتقل الآن لنتناول آثار مثل هذه الإجراءات على مؤشرات الاقتصاد الحيوية، إن السياسة المالية الانكماشية المتمثلة في تخفيض الإنفاق الحكومي ورفع الإيرادات تحمل معها آثارها الايجابية والسلبية.
فيما يتعلق بالآثار الإيجابية فتتمثل في التخلص من عجز الموازنة وآثارها العديدة التي تضر بالاقتصاد، كما قد ذكرت سابقاً، أما الآثار السلبية للسياسة المالية الانكماشية فيمكن إيجازها بما يلي؛ رفع مستويات الأسعار للسلع والخدمات وانخفاض القوة الشرائية للدينار وبالتالي انخفاض القيمة الحقيقية للدخول وتراجع الإيرادات الضريبية وغير الضريبية على المستوى الزمني المتوسط والطويل بسبب انخفاض القوة الشرائية للأفراد وتراجع الطلب وتراجع مستويات الاستثمار نظرا لارتفاع أسعار الفوائد وتراجع الطلب والضرائب وتراجع نسب التوظيف وخصوصا في القطاعات الحكومية، مما يرفع من مستويات البطالة وخفض الإنفاق الحكومي الرأسمالي.
والسؤال الآن، وبالاعتماد على الموضوعية، هل بالإمكان تجنب هذه الإجراءات؟ وهل نستطيع استبدالها بإجراءات تمويل العجز بالدين المتبع حالياً؟
وأجيب عن كل سؤال على حدة، هل بالإمكان تجنب هذه الإجراءات؟ بدايةً كان يتوجب على الحكومة اللجوء الى الإجراءات الجذرية في تقليص عجز الموازنة منذ سنوات عديدة، وكان يجب أن يتزامن معها دعم قطاع الإنتاج بكل الوسائل الممكنة، أما الحال الآن فإنه لا يمكن تجنب مثل هذه الإجراءات لأنها أصبحت حتمية في ضوء ارتفاع مستويات الدين الإجمالي، وتراجع الاستثمار الأجنبي والمحلي، وتداخل السياسة النقدية والمالية بما يعطل عمل وهدف بعض أدواتها، وتراجع التصنيف الائتماني للأردن في آخر خمس سنوات، وارتفاع تكلفة الدين محليا وخارجيا، وارتفاع مستويات أسعار الفائدة على القروض الى مستويات قياسية، وعزم البنك الفيدرالي الأميركي الاستمرار في رفع أسعار الفوائد، وتراجع مصادر الدخل التصديري، وخصوصا التجارة البينية مع بعض دول الجوار.
وهل نستطيع الاستمرار في إجراءات تمويل العجز بالدين؟
يمكن أن نمول جزءا من العجز بإسناد القرض أو الاقتراض المباشر، لكن لا يجوز الاعتماد على الاقتراض بشكل طردي ومستمر، ويتوجب إطفاء جزء كبير من الدين الخارجي والداخلي ويجب أن يكون البديل تخفيض العجز بشكل جذري.
لكن حتى بلزوم مثل هذه الإجراءات (المتعلقة بتخفيض عجز الموازنة)، يتوجب أن يرافقها عدد من الإجراءات الحكومية الأخرى المتمثلة في تخفيض حجم الدين بشقيه الداخلي والخارجي، ووضع خطة زمنية لا تتجاوز الخمس سنوات لتخفيض عجز الموازنة، عدم الاستمرار في رفع الضرائب سنوياً، وتخفيض الإنفاق الحكومي فيما يخص الهيئات المستقلة حتى وإن كانت تمول نفسها بنفسها من خلال اسناد الدين، ومعالجة التهرب الضريبي، ورفع الضرائب انتقائيا على بعض السلع (وهو مطبق حالياً)، تحديد سقوف أسعار للسلع والخدمات من خلال إنشاء دائرة في وزارة الصناعة والتجارة أو دائرة الإحصاءات العامة (تسمى مثلا: دائرة محاكاة الأسعار) تعمل على حساب أسعار السلع والخدمات المعروضة في الأسواق بما يضمن الربح المعقول للتاجر أو البائع وتوفير نص قانوني صارم يعرف الاستغلال السعري رقميا من خلال المقارنة بين الأسعار المحسوبة في تلك الدائرة ومقارنتها مع الأسعار المعروضة للسلع والخدمات ضمن فروق معقولة.
وهي بذلك لا تتعارض من حرية الأسواق وعدم تدخل الحكومة وإنما تتوافق مع قوانين منع الاستغلال السعري وتجنب المواطن سلسلة ارتفاع الأسعار.
بالرغم من مرارة الحلول، إلا أن تخفيض عجز الموازنة أفضل بكثير من تمويله بالدين.

*خبير إدارة المخاطر والاستثمار

التعليق