مقابسات واقتباسات

تم نشره في الجمعة 13 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً

د. نارت قاخون

فضائل الأمم والإنسان
يرى صاعد الأندلسيّ (توفي عام 462ه/ 1070م) في كتابه "طبقات الأمم"، أنّ الذي يميّز "الأمم" ويرفعها ويصطفيها هو "اعتناؤها بالعلوم". و"العلوم" عنده هي "فضائل النفس الناطقة" الصانعة لنوع الإنسان والمقوِّمة لطبعه. ويلزم من الاعتناء بالعلوم الزهد بما يشترك به الإنسان مع الحيوان من الأفعال والطبائع. لذلك لم يجعل "صاعد الأندلسيّ" أمماً مثل "الصين" و"الترك" من الأمم التي تعتني بالعلوم، لأنّها عُرفت بفضائل تشاركها البهائم والحيوانات فيها بل تتفوّق!
فـ"الصين" عُرفت بالصنعة وإتقان اليد وبراعة التشكيل، وهي "فضائل" تشاركهم "البهائم" بها بل تفضلهم! فأين صنعة "الصين" من صنعة "النحل" لخلاياها ومخازن قوتها؟ وأين هي من إتقان "العنكبوت" لخيوط بيتها؟ وأين هي من إحكام "الدود" لحريرها؟
أمّا "الترك" فعرفوا بالشجاعة والبأس، فأين شجاعة "الترك وبأسهم" من شجاعة "الأسد" و"النمر" و"السباع" من الحيوان؟
ثمّ جعلَ كلّ صفة جعلت "العرب" مثالها وأنموذجها من "الحيوان" في أمثالها خارجة عن فضائل "القوى الإنسانيّة" و"المزايا البشريّة"، فقول العرب في أمثالها: "أجرأ من ليث"، و"أختل من ذئب" أي "أخدع"، و"أروغ من ثعلب"، و"أكسب من نملة" أي "أشدّ حرصاً على تحصيل القوت"، و"أبصر من عقاب"، وغير ذلك من الأمثال يُخرج هذه الصفات من الفضائل التي ينبغي أن يتنافس في تحصيلها البشر والأمم.
لذلك لا فضيلة للأمم والبشر إلا "العلوم"، فهي الناشئة والمتحصّلة من فضائل "الإنسان" التي لا يشاركه فيها حيوان، وهي فضائل "العقل واللسان وإدراك الغاية من خلق الله للإنسان".
هذا ما يراه "صاعد الأندلسيّ"، فماذا نرى نحن؟
الإنسان ليس شجرة لها جذور
يوجّه الناقد والفيلسوف البلغاريّ ثمّ الفرنسيّ "تودوروف" نقداً جذريّاً للاستعارات التي تشبّه الإنسان لغة وبيئة ‏وثقافة ووطناً بـ"الشّجرة" أو "عالم النبات"، فنتحدّث عن "الجذور" مثلاً في جمل استعاريّة مثل:"المحافظة ‏على الجذور"، و"تعميق جذورنا في الوطن"، و"ترسيخ جذورنا الثقافيّة"، كما يُقال على سبيل الرفض والرثاء ‏لوصف إخراج إنسان من "وطنه الذي ولد فيه"، أو "وطن أجداده وثقافتهم": "هو مقتلع من جذوره"، أو "عمليّة ‏اجتثاث للجذور".‏
فهذه الاستعارات من وجهة نظر "تودوروف" مضِّللة؛ لأنّها تقوم على تشبيه الإنسان بالنبات في إحدى أهمّ ‏الصفات التي يختلف فيها الإنسان عن النبات وهي "الحركة في المكان"، فإذا كانت الاستعارات في الأصل ‏تشبيهات، فإنّ استعارة "الجذور" تقوم على المفارقة أو المخالفة التشبيهيّة، لذلك هي مضِّللة وخادعة. ‏فالإنسان بانتمائه لعالم الحيوان يتميّز عن النّبات بالحركة في المكان، ويتميّز عن الحيوان بالحركة في ‏الزمان أي بقدرته على استعادة الماضي بل العيش فيه عبر الذّاكرة والاستذكار، كما يُمكن له أن يتوقّع ‏المستقبل أو يتخيّله. وهذه السّمات الحركيّة في المكان والزّمان للإنسان تجعل مفاهيم العقل والّلغة والثّقافة ‏والوطن والهويّة مفاهيم "متحرّكة" و"متبدِّلة" و"متقلّبة" و"متطوّرة". ولكن رغم بدهيّة هذه الصّفات لكلّ ما هو ‏‏"إنسانيّ" إلا أنّ القبول بها لا يوازي بدهيّتها، بل تبدو أضدادها أكثر قبولاً وبدهيّة –وهي ليست كذلك - ‏عبر استعارات ترتدّ بالإنسان إلى عالم النبات الأقلّ حركة والأكثر ثباتاً.‏
ربما يكون ذلك نتاج قلق الإنسان من مزاياه الإنسانيّة؛ فإذا كانت الّلغة والعقل والثّقافة ومفاهيم مثل الهويّة ‏والوطن هي مزايا الإنسان عن سائر الكائنات، فهي في الوقت نفسه أسباب قلقه التي تجعله يميل إلى ‏جوهرنتها والنّظر إليها بوصفها "جذوراً ثابتة" و"معطيات مطلقة غير زمانية ومكانيّة" ليتخلّص من "دوار ‏الحركة" التي قد يسبِّبها الوعي بديناميّة هذه المزايا والمفاهيم.‏
مرايا العقل والصور الوهميّة المقلوبة
يردّ كثير منّا قولَ "المخالف" بزعم مخالفته "منطق العقل والعلم" بصورة من الصوَر، ولكنّنا نتغافل عن كوننا نتبنّى بعض "المقولات" ديناً وعقيدة بطريقة "الاستدلال" نفسها التي نزعم أنّ "مخالفنا" يخالف "منطق العقل والعلم" فيها؛ فخطأ الاستدلال ومخالفة منطق العقل والعلم حجّة علينا وعليه معاً؛ فـ"الصحة والبطلان" ليسا فرعين عن "قبولنا أو رفضنا"؛ فالحدث "الخارق لقوانين الطّبيعة" هو حدث لا يفسّر بالعلم، بل قد لا يقبل العلم تفسيره، وعدم قبول العلم تفسيره حكم واحد على كلّ حدث "خارق للقوانين"، ولن يتغيّر حكم العلم بتغيّر موقف الشّخص من الحدث تصديقاً وتكذيباً. لذلك من كان يؤمن بـ"المعجزات" و"الكرامات" لا يجوز له أن يردّ "معجزات الآخرين وكراماتهم" بدعوى "مخالفة العلم والعقل"؛ فكلّ ما في الأمر هو أنّه "يصدّق" المعجزة والكرامة إن جاءت ممّن يصدّقه ويؤمن به، ويرفضها ويسميها "خرافة" إن جاءت ممّن لا يصدّقه ولا يؤمن به، فمعجزاتنا هي خرافات عند غيرنا، ومعجزات غيرنا هي خرافات عندنا. وما أشير إليه هنا ليس رفض "المعجزات" ابتداءً؛ فهذا مبحث فلسفيّ ودينيّ كبير، ولكن أشير إلى الإخلال بمبدأ الاتّساق الذي يقع فيه من يرفض "معجزات" الآخرين بزعم مخالفة "العلم والعقل"؛ فرفض "معجزة" وقبول "أخرى" ليس موقفاً علميّاً أو عقليّاً، بل هو موقف "أيديولوجيّ مذهبيّ"، يرى أنّ تصديق الخبر ليس فرعاً عن الإمكان الواقعيّ والعقليّ بل فرعاً عن موقفنا من قائل الخبر أو ناقله، وهذا موقف "إيمانيّ" نحشر "العلم" و"العقل" فيه حشراً لأنّنا نقرّ في أعماقنا أنّ "العلم" و"العقل" هما أفضل فضائل الإنسان، وبهما تتفاضل الأمم.
وفي مقابل هذا الانحياز للذّات وثقافتنا الخاصّة، نجد من ينحاز انحيازاً مضادّاً حتى يظهر بمظهر "الانفتاح" و"الموضوعيّة الثّقافيّة"، فتراه إذا سافر –والسّفر هنا بالمعنى الثّقافيّ والنّفسيّ وليس الفيزيائيّ وحسب - إلى "بلادٍ أجنبيّة" غير بلاده، رأى من غرائب العادات في اللّباس والأفعال، ومن الأديان والاتّجاهات الفكريّة الكثير الكثير، فتجده "يحترم" كلّ عادة وكلّ مظهر وكلّ دين وكلّ "لا دين" وكلّ "عيد"، ويسارع إلى التهنئة" به، ويرى ذلك أجمل نموذج على التنوّع والغنى واختلاف الثقافات الدّال على عمق التجربة الإنسانيّة، ويرفض أيّ "استهزاء" أو "استنكار" لأيّ ممارسة أو مظهر، ويطلب أن نرى المعاني الكامنة وراء ذلك كلّه باحترام وتقدير.
وحين يعود إلى "بلاده وأهله" يرى لباس أمّه "تخلّفاً"، وممارسات جيرانه "انحطاطاً"، ودين أهله "ميراثاً من زمن السّقوط والظّلام"، وأعياد أهله "بقايا من طفولة العقل السخيف"، وصخب الأطفال "عنفاً"، وتمتمات النّاس بالذِكر والقرآن "إرهاباً وتطرّفاً"! فيتحوّل كلّ الغنى والتّوسّع في المعاني والدّلالات والفهم لثقافة الآخر ومعتقداته إلى فقر وتضييق حين ينظر إلى ثقافته ومعتقدات أهله، فيحوّل "الموضوعيّة" و"التفهّم" إلى أدوات ينحاز بها إلى غيره على حساب نفسه، فيجد في "الصّين" و"الهند" و"الغرب" ما يتوهّم أنّه غير ما يجده في بلاده، ولو أمعن النّظر لعلم أنّ ما يحتفي به هناك لا يختلف عمّا يرفضه هنا، ولكن مسافة البعد المكانيّ والزمانيّ والنفسيّ أوهمته أنّ القادم من "الشّرق" أو من "الغرب" يختلف عمّا ينبت "هنا" حيث يقيم. وكلامي هنا ليس لنفي أن يكون في "الشّرق" و"الغرب" ما ليس هنا، بل للإشارة إلى من يحتفي بما هو في بلاد غيره، ويجافي ما هو في بلاده مع كونهما ينطلقان من بنية عميقة واحدة، أمّا الحديث عمّا في "الغرب" و"الشّرق" ممّا ليس عندنا ولنا فيه نفع وحاجة فله موعد آخر.
القمح والشّعير
حين أرى كثيراً من محاولات "الإصلاح" الفكريّ والسّياسيّ والاقتصاديّ أو أقرأ عنها أتذكّر القول الآتي: مهما غربلت "الشّعير" فلن يصير "قمحاً".

التعليق