د.أحمد جميل عزم

عن خلية كوبر

تم نشره في الجمعة 13 كانون الثاني / يناير 2017. 12:07 صباحاً

أقام أعضاء في حركة "فتح" على هامش مؤتمرها الأخير، حفلة استقبال للآتين من خارج فلسطين، من أعضاء المؤتمر وضيوفه وأصدقائهم. وذهبت إلى فندق للقاء صديق أكاديمي عربي بارز، جاء إلى المؤتمر ضيفاً، واصطحبته لحفل الاستقبال. وترددت هناك: على من يجب أن أعرفه؟ وعرفته على فخري البرغوثي (أبو شادي)، عميد الأسرى السابقين. وسأل صديقي بتأثر: كيف تكون الحياة مع 34 عاما قضيتها في الأسر؟ كيف يمكن أن تحكى هذه السنوات وقوفاً في قاعة باردة لولا دفء الأحاديث؟ وبعد قليل، نظرَ فخري لصديقنا متفحصاً، وسأله: "ألستَ جهاد؟". فأشرق وجه الصديق، وأخبَرَ فخري، جهاداً، "أنت قائد سريتي" في لبنان، حيث حصلت على التدريب (قبل أربعين عاما). وتَصافحا من جديد.   
في كتاب يصدر قريبا، يوضح أبو علاء منصور (محمد يوسف) جزءاً جديداً من تجربته النضالية وذكرياته. ويروي القصة بدءا من احتلال العام 1967، عندما بدأ الشقيقان عمر ونائل البرغوثي التفكير بمواجهة الاحتلال، وهما في سن عشرة أعوام. وبحثا عن الفدائيين في كهوف منطقة قريتهم "كوبر"، قرب رام الله، لدرجة ترك رسالة في أحد الكهوف "نحن إخوانكم، نريد الالتحاق بالثورة". وأخذا يبحثان عن الفتيان الذين يشابهونهما في المسعى، فكان معهما بالمجموعة فخري البرغوثي، وغازي أبو فنّة، وفهد أبو الحاج.
التحق عمر العام 1973، بجامعة بيروت العربية، ووجد الثورة هناك. وقضى عمر وفخري ستة أشهر في قواعد كتيبة الجرمق، وقاتلا قوات سعد حداد العميلة، وفي أوقات الهدوء كانا يشاركان الفلاحين حصادهم وقطف زيتونهم. ثم عادا للداخل، ورصدا حافلة إسرائيلية لنقل العمال، قيل إنّ سائقها ضابط احتياط مسلّح برشاش "عوزي". وقررا مهاجمته بالسكاكين. ويوضح عمر: "هدّدني شقيقي نائل: "إن لم تشركني بالعملية ألتحق بالجبهة الشعبية""، فتخلى عمر عن دوره لفخري في قيادة العملية، وشاركه نائل وأحمد القندس. "سمعنا صوت إطلاق نار. ظننا أنّ الشباب فشلوا، واستشهدوا! لم يهدأ روعي حتى ظهر فخري عند طرف قريتنا يتقدّم الشباب. كادت رؤوسنا تطاول السماء ونحن نستمع لصوت الثورة معلنًا نبأ العملية".
بعد مُدة، كُشفت الخلية واعتقل فخري ونائل وحكما بالمؤبد، وحُكم فهد خمسة عشر عامًا، وعزت بدوان سبعة أعوام. واعتقل آخرون.
يخبرني عبدالكريم البرغوثي (أبو كرمل)، كيف كان هو ومروان البرغوثي، وآخرون، قد شكلوا مجموعة محليّة، وكانوا يصدرون مجلة بدائية سرية تعالج شؤون القرية، وتحض على المقاومة. ويبدو أنّ اعتقال عبدالكريم ومروان ومعهم رائد البرغوثي، مع خلية العملية، كان ضمن حملة ضد "كوبر"، والنتيجة التحاق مروان ورائد في السجن بـ"فتح"، واختار عبدالكريم الجبهة الديمقراطية.
قضى فخري ونائل 34 عاماً في المعتقل، وأطلق سراحهما في صفقة حركة "حماس" (صفقة شاليط) لتبادل الأسرى العام 2011. وتزوج نائل الأسيرة المحررة إيمان نافع، ولكن أعيد اعتقاله لاحقاً.
انتفض فخري عندما سأله أبو علاء سؤالا بعد إطلاقه، وقال: "أرجوك لا تسأل". كان السؤال عن أول لقاء جمعه بنجليه شادي وهادي. ولكن فخري أجابه بعد عامين من تحرره: "لم يكن مضى على زواجي سوى عامين حين اعتُقلتُ، كان عمر شادي عشرة أشهر، أمّا هادي فكان جنينًا في بطنها. بعد سبعة وعشرين عامًا التقيتُ ولديَّ في سجن عسقلان! قدرٌ قاسٍ ذكّرني بيوم اعتقالي، يومها تركتُ والدتهما تكابد مصيرها". يومها قال فخري لولديه، متجرعاً برد الموقف: "لم أكن لأعرفكما لو وصلتما إلى السجن ضمن معتقلين آخرين".
يروي فهد أبو الحاج قصة الأسر بطريقة مختلفة، فهو يدير الآن متحف أبو جهاد للحركة الأسيرة، ضمن جامعة القدس. ولكن يجب تذكر أن فهد دخل المعتقل أمياً، يبحث عمن يكتب له رسالة لعائلته، تعلم في السجن، وهو يحمل درجة الدكتوراة الآن.
تروي حفيدة فخري القصة بطريقة مختلفةـ  التقى أبو علاء مع فخري في رام الله، بعد ثلاثة أعوام من تحرّره، عائدًا بحفيدته ابنة السبعة أعوام من المدرسة، وعرّف بها: "مجدل ابنة هادي". قاطعت الحفيدة جدها: "أبوي انسجن ثلاث سنين ونص، سيدي فخري انسجن 34 سنة، وعمي شادي في السجن، كلّهم التقوا في سجن عسقلان، عشان هيك سمّاني أبوي مجدل، على اسم عسقلان". قالت ذلك بلهجة صارمة وتقاطيع عبوسة.

التعليق