عيسى الشعيبي

مشهدان إسرائيليان في صورة فلسطينية واحدة

تم نشره في الجمعة 13 كانون الثاني / يناير 2017. 01:05 صباحاً

تضمنت الصورة التي سجلتها كاميرات المراقبة من محيط قصر المندوب السامي في مدينة القدس، مشهدين فارقين للعملية الفدائية النوعية التي نفذها شاب من جبل المكبر، بمبادرة فردية على الأرجح، ضد تجمع لضباط وضباط صف إسرائيليين، كانوا في دورة تدريب خاصة، تهدف إلى تأهيل أفراد هذه الدفعة المنتخبة لتولي مناصب قيادية في الجيش الذي وصف ذات يوم بأنه "الجيش الذي لا يُقهر".
بكلام آخر، القول إنهما مشهدان إسرائيليان متراصفان في صورة فلسطينية واحدة؛ المشهد الأول الذي خطف الأنظار والأضواء والتعليقات، وكاد يحتل كامل كادر الصورة، كان مشهد الشاحنة التي اجتاحت هدفاً عسكرياً خالصاً، الأمر الذي أضفى على هذه العملية الجريئة كامل صفات العمل المقاوم ضد احتلال غاشم، وأدى إلى سحب بيانات الشجب والاستنكار النارية من بين أيدي أشد المؤيدين لآخر دولة احتلال في العالم، وأفقدهم ذريعة الإدانة التلقائية الجاهزة لعمليات مماثلة، كون القتلى والجرحى ليسوا من المدنيين (شذت تركيا عن ذلك).
ولعل من لزوم ما لا يلزم التركيز كثيراً على هذا المشهد الذي أشبعه المعلقون تمحيصاً وتشخيصاً خلال الأيام القليلة الماضية، وقالوا فيه ما يصعب الإضافة عليه من شروحات تفصيلية، أو الاستزادة من مغازي ما حمله من رسائل موجهة إلى سائر الاطراف المعنية. فيما بدا المشهد الثاني من هذه الصورة قليل التناول، رغم أنه كان في مقدمة الصورة، وكان أشد وضوحاً وأكثر أهمية من المشهد الاول، لما انطوى عليه هذا الجزء من الشريط القصير من سابقة غير مسبوقة.
فما إن اجتاحت الشاحنة هدفها المستطلع سلفاً، والمدروس بعناية فائقة، ثم عادت المركبة الثقيلة، لأكثر من مرة، ذهاباً وإياباً، واستدارت بسرعة خاطفة لإيقاع أكبر خسائر بشرية ممكنة من أفراد الدورة التدريبية، حتى انبثق مشهد لم تستطع عدسة الكاميرا الثابتة إخفاءه أو المداراة عليه، ونعني به هروب عشرات الجنود الإسرائيليين في كل الاتجاهات، وسط حالة من الذعر والفوضى، دبت في صفوف عساكر مدججين بأسلحتهم.
وأحسب أن دهس الضباط والجنود، على فداحته البشرية، كان أقل إيلاماً لإسرائيل، وأهون الشرين بالنسبة لدولة باذخة الصورة الحربية، قياساً بواقعة الهروب الجماعي لعسكر دولة تعبد القوة، وتمتلئ بفائض غزير منها، تعوّل على ذراعها الأمنية الطويلة، وترى في "جيش الدفاع" درعها الحصين، وصخرة وجودها كله، الأمر الذي يصعب معه، بعد اليوم، الحديث عن التفوق العرقي، والدم الأزرق، وترهات الاستعلاء على العرب "الجبناء مولّي الادبار".
والحق أن اهتمامي بالمشهد الثاني كان أكثر منه إزاء المشهد الأول، نظراً لما استثمرت فيه الماكينة الدعائية الإسرائيلية من حقائق ومزاعم، لتظهير صورة الجندي الذي لا يفت له عضد، ولا يهاب من الأخطار ولا يهرب من عين المكان، مقابل الصورة النمطية للمقاتل العربي الفرّار، في ثنائية ملفقة تم تسويقها ببراعة لدى الرأي العام، ووصلت آثارها إلينا في بعض الأحيان.
عقب هذه العملية، بحثت جاهداً للوقوف على ردود الفعل الإسرائيلية، من خلال الصحافة العبرية المترجمة، وتقصّي مدى عمق الانفعالات الأولية لدى الطبقة السياسية، إزاء مشهد الهروب الجماعي هذا. فلم أعثر سوى على أقل القليل من التعقيبات الحزبية والإعلامية حيال مشهد يحطم الروح المتعجرفة، ويبعث على الصدمة والارتباك، في تعليل مكونات مثل هذا المشهد المخجل، إن لم يكن المذل، لنمر من ورق، أدمن  خطاب الاستعلاء العنصري والغطرسة الحربية.
إزاء ذلك، فإن ما أسفرت عنه تلك العملية النوعية التي أسقطت نظرية الأمن الإسرائيلي الحديدي المطلق، يتجاوز حدود النتائج الإحصائية لقتلى وجرحى الشاحنة الهائجة، ويتعدى نطاق رد الفعل الطبيعي على نهج القمع والإرهاب، ناهيك عن الاستجابة لسياسة الضغط الذي يولّد الانفجار حتماً، إلى فضاء لحظة اختبار حقيقية، يُحكّ فيها المعدن، وتقاس فيها درجة الشجاعة بمسطرة إلكترونية، وهو فضاء إن لم تكن قد تحطمت فيه صورة الردع الإسرائيلية الكلاسيكية، فإنها قد اهتزت إلى أبعد الحدود المتخيّلة.

التعليق