وجوب تعليم الفلسفة والمنطق في المدرسة والجامعة (1/ 3)

تم نشره في الجمعة 13 كانون الثاني / يناير 2017. 01:08 صباحاً

كانت جملة رجال الدين المسيحي والإسلامي في العصور الوسطى يعتقدون أن الفلسفة والمنطق عدوان للدين، وأن تعلمهما يجعل الفرد يشك في صحته، أو يكفر به ويرتد عنه. وقد شبه رجال الدين المسلمون في حينه تعلم المنطق بتعلم الزندقة، فقالوا: "من تمنطق فقد تزندق". غير أنه لما كان غير ممكن منع التفلسف والتمنطق بحكم الدهشة وحب الاستطلاع والمعرفة عند الإنسان، فقد اضطر رجال الدين إلى تعلّم الفلسفة والمنطق وتعليمهما، للدفاع عن الدين والتصدي للمجدفين والمهرطقين والمارقين.
ولما بلغت الحضارة العربية الإسلامية أوجها في القرن الرابع الهجري؛ نتيجة انهيار السلطة المركزية وتفشي الانقسام السياسي، وتنافس الدويلات المسلمة المستقلة على رعاية الفلسفة والآداب والعلوم والفنون، رأيت الفلسفة والمنطق يزدهران، والمناظرات بين الفلاسفة تنتشر في كل مكان، ما اضطرهم إلى وضع قواعد للمناظرة: "اجتمع متكلمان (فيلسوفان إسلاميان) فقال أحدهما للآخر: هل لك في المناظرة؟ فقال: على شرائط: أن لا تغضب، ولا تعجب، ولا تشغب، ولا تحكم، ولا تقبل على غيري وأنا أكلمك، ولا تجعل الدعوى دليلاً، ولا تجوز لنفسك تأويل آية على مذهبك إلا جوزت لي تأويلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق، وتنقاد للتعارف، وعلى أن كلاً منا يبني مناظرته على أن الحق ضالته، والرشد غايته".
ولأن انتشار الفلسفة والمنطق زاد على حده في نظر الإمام أبي حامد الغزالي (المتوفى عام 505هـ)، فقد تحول إلى ضدهما، وألف كتابه المشهور "تهافت الفلاسفة" الذي وقف رجال الدين آنذاك بين مؤيد له ومعارض.
ولما وقع كتاب الغزالي بين يدي فيلسوف الأندلس الأعظم أبو الوليد بن رشد، المولود بعد وفاة الغزالي بخمس عشرة سنة، استفزه ما جاء فيه، فنهض للرد عليه؛ فقرة فقرة، وفكرة فكرة، بكتاب سماه "تهافت التهافت". كان هدف ابن رشد كهدف الغزالي؛ الدفاع عن الإسلام، ولكن بالفلسفة والمنطق والبرهان. كما ألف ابن رشد كتاباً آخر سماه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، للدفاع عن الدين بالفلسفة والمنطق.
نرى من ذلك أن كلاً من المفكرين إسلامي، لكن منهج كل منهما في الإيمان مختلف؛ إذ بينما يتم الإيمان عند الغزالي بالاعتقاد والتصوف والإشراق، يتم عند ابن رشد بالبرهان.
ونظراً لشهرة ابن رشد في الأندلس وأوروبا، وتقريب الأمير له، فقد حسدته البطانة وتآمرت مع رجال الدين السذج عليه، وحرضوا الأمير عليه، فحوكم في جامع قرطبة الكبير (عام 591هـ) بتهمة الكفر والزندقة. ولكنه دافع عن فكره ببسالة، إلا أن الحكم صدر بحرق جميع كتبه ما خلا ما له علاقة بالطب لحاجة البلاط إليه، وبالفلك والحساب لحاجة المسلمين إليها في المواقيت. ونُفي خارج قرطبة إلى قرية أليسانة اليهودية، فأشاع خصومه وأعداؤه أنه يهودي الأصل، كالعادة المتبعة إلى اليوم أو الموروثة عن الأسلاف عن اتهام بعض الزعماء العرب بذلك.
ولما ضج بعض الناس احتجاجاً على المعاملة المذلة لابن رشد، أصدر الأمير بياناً متغطرساً يشرح فيه أسباب اضطهاد ابن رشد، وأنه للدفاع عن الدين الحنيف؛ الحجة القديمة الجديدة الدائمة كلما احتاجوا إلى اضطهاد مفكر أو فيلسوف.
لم تقتصر النقمة على ابن رشد، بل شملت كل المنشغلين بالفلسفة والمنطق الذين شردوا في الأفاق. لكن محنة ابن رشد لم تدم طويلاً، فقد عفا عنه الأمير لحاجته إليه لتعلّم الفلسفة والمنطق. لكن هذا الود لم يدم طويلاً، فقد نُفي ثانيةً ولكن إلى مراكش حيث مات بعيداً عن وطنه (عام 595هـ).
يذكرني حرق كتب ابن رشد في القرن الخامس الهجري بحرق التلاميذ والمعلمين والجمهور للكتب الإسلامية المدرسية في القرن الحادي والعشرين. فما أشبه الليلة بالبارحة؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اصاب المربي الكبير حسني عايش (يحيى شقير- صحفي-مستشار بوزارة الإعلام الكويتية حاليا)

    السبت 14 كانون الثاني / يناير 2017.
    كعادته يبدع المربي الكبير حسني عايش. ليس معقولا وجود 18 جامعة حكومية وخاصة في الأردن ولا يوجد إلا واحد (الأردنية) فيها قسم فلسفة يخرج سنويا أقل من عشرة طلاب مع أنها تقبل سنويا المئات لكن يتخذونها جسرا للمرور إلى تخصصات أخرى.
  • »لا للفلسفه (اسعد)

    الجمعة 13 كانون الثاني / يناير 2017.
    بدون تفكير لن يحصل تقدم , ونحن عقولنا اغلقت ووضعت في المخازن , وستجد للآن من سيعارض تدريس الفلسفه ففكر ابو حامد الغزالي هو الذي يسود .