د.باسم الطويسي

إدارة الاستقرار

تم نشره في الاثنين 16 كانون الثاني / يناير 2017. 12:05 صباحاً

لم يعد سؤال المجتمع الأردني هذه الأيام مشغولا بتعديل حكومي، أو رحيل حكومة، أو ثقة بوزير ما. السؤال اليوم ينظر إلى الغد القريب قبل البعيد، وهو: ماذا بعد كل هذا التجريب، وإلى أي مصير نسير وسط تفاقم مصادر التهديد الأمني والاقتصادي، والاشتباك بين مصادر القلق الداخلية والخارجية؟
في النظم الديمقراطية، أمام الشعوب فرصة للمراجعة والتغيير كل أربع أو خمس سنوات، لتأتي المجتمعات بنخبة جديدة ومنظور جديد يتجاوز العثرات والأخطاء. ونحن أصبح أمامنا فرصة لتغيير الوجوه أو تقليبها كل عدة أشهر، لكن من دون أن نلمس التغيير. إذ يتم تدوير النخب ذاتها والوجوه ذاتها، بينما الأزمات تتراكم وتخنق كل أشكال الحياة.
هناك ثلاثة معايير أساسية تحكم قدرة أي دولة على الاستقرار والاستمرار، هي: القدرة على قبول النقد والتصحيح الذاتي؛ ومستوى المناعة الذاتية في مواجهة الأمراض والعلل؛ والقدرة على التجدد.
تملك الدولة الأردنية، ممثلة بالدرجة الأولى بنظامها السياسي، واحدة من أطول الخبرات الإقليمية والدولية في إدارة الاستقرار، وواحدة من أكثر التجارب الهادئة في إدارة التحولات في الاقتصاد والسياسة والعلاقة مع المجتمع؛ الأمر الذي يطرح السؤال الذي على الدولة وحدها أن تواجهه بكل جرأة وصرامة، عن مصدر العلل الراهنة وموقف الدولة الأردنية الراهن من المعايير الثلاثة السابقة في إدارة الاستقرار والاستمرار في هذا الوقت الحرج.
في المعيار الأول، فإنه على مدى سنوات العقد الماضي، نما نمط من ثقافة التستر السياسية التي ترفض الاعتراف بالأخطاء، وتصر على إعادة إنتاجها مجددا، وترفض أحيانا الاعتراف بالفساد؛ ثقافة سياسية حاولت أن تزرع خوفا مرضيا من الإصلاح. وهذه الثقافة لها تعريفها المفرط في التطرف للانتماء والولاء الوطنيين، والذي لم يفض علميا إلا إلى الاسترضاء. وقد تسربت هذه الثقافة إلى مستويات أكثر عمقا في إدارات الدولة ومؤسساتها، وضربت عميقا في علاقات الدولة بالمجتمع، وفي علاقات الدولة بالسوق أيضا.
أما وفق المعيار الثاني، فهل باتت الدولة منكشفة أكثر من الماضي؟ وهل مصادر الأمراض والعلل هي نتاج الظروف الإقليمية والدولية فقط، أم هناك عوامل داخلية؟
ووفق المعيار الثالث، نكاد نفتقد القدرة على التجدد؛ تلك الطاقة السياسية الإيجابية والقدرة التي كانت تتمتع بها الدولة الأردنية في استشعار الأخطار ومصادر التهديد في تعاملها مع البيئتين الداخلية والإقليمية. فلطالما مرت الدولة بأحوال صعبة، ربما أصعب مما نشهده اليوم، لكنها استطاعت بروح مبادرة وبالمناورة الذكية تجاوزها.
في مواجهة سؤال اليوم التالي، نلاحظ ضعف العناصر البنائية التقليدية، والمتمثل باسترخاء المؤسسات، وتراجع مكانة الكفاءات الوطنية وعزوفها عن الشأن العام؛ إما بالهجرة والرحيل أو بالعزلة. ونلاحظ ضعف مساهمة النخب المتقاعدة ورجال الدولة الذين يفترض أنهم رصيد الدولة؛ أولئك المشغولون بنهش الدولة بالمال والبنين. كما نلاحظ إفلاسا من نوع آخر في صفوف المعارضة التقليدية والقوى الأيديولوجية التي لا تقوى على شيء أكثر من استعراض العدمية السياسية.
إدارة الاستقرار والاستمرار تحتاج في كل عقد إلى مراجعة شاملة وجريئة، بعيدا عن الترقيع واختلاق المبررات والأعذار. الناس في بلادنا ينتظرون هذه الأيام حدثا كبيرا، إلا أن أحدا لا يعرف ما هو، وبأي اتجاه، وكيف.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قبل فوات الوان (يحيى محمود اليحيى)

    الاثنين 16 كانون الثاني / يناير 2017.
    تحليل مهم يفترض أن ياخذه من يعنيه الأمر بعين التمعن واستخلاص اللازم للخروج من الطريق المسدود الذي نراوح فيه منذ سنوات
  • »"البعبع الخفي" (يوسف صافي)

    الاثنين 16 كانون الثاني / يناير 2017.
    تذكرني د. باسم بسؤالي لدولة السيد النسور ماقبل توليه الرئاسة عندما استضافته إحدى الصحف المحلية" ضيف تحت المجهر بتاريخ10-1 2011" اعيد السؤال والجواب ان سمحت الغد الغراء بذلك: س "المؤرق المؤسف بالرغم من بيانات الحكومة المتعاقبة وخططها المنمقّة واطروحاتها المطمئنة لم يلمس المواطن تغيير وضعه "اقتصاد سياسة اجتماعيا...الخ" وكأن هناك بعبع خفي لايريد ل الأردن السير ل الأمام لنا وبأمانة الأسباب والسبل الكفيلة للخروج من هذا المأزق المستمر؟؟؟؟ جواب دولة النسور(اقتبس): اوافقك الراي.. ومع ذلك انا مؤمن بتقدم الأردن وإزدهاره فنحن نتمتع بميزات استراتجية كبيرة 1- طاقة بشرية ذكيّه ومؤهلة ومتعلمّه تعليما راقيا ومنتشر على اوسع نطاق ..2مركز استراتيجي بالغ الأهمية3- نظام اقتصادي حر4-نظام بنكي متطور5-شبكة اتصال راقية وفعّالة 6- وفوق كل ذلك لدينا قيادة كفؤة وقادرة وذكية وتتمتع بمصداقية عالمية وصلات دولية على اعلى مستوى وكل هذا قلّ ان يتحصل لقائد آخر.وامّا الحدث المنتظر لاجواب ومع ذلك تفاءلوا بالخير تجدوه ؟؟ "الم يعلموا ان الله يعلم سرهم ونجواهم وان الله علاّم الغيوب" صدق الله العظيم