النظام العالمي القادم

تم نشره في الأربعاء 18 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً

آنا بالاسيو*

مدريد- إذا كانت سنة 2016 مروعة حقاً، فإن نقاطها السلبية -تصويت المملكة المتحدة على مغادرة الاتحاد الأوروبي، وانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، والفظائع المستمرة في سورية- كانت مجرد أعراض لعملية حل النظام العالمي القائم على قواعد الليبرالية، الذي بدأ قبل وقت طويل. لكن هذه الأعراض، مع الأسف، تعجل الآن في انحدار النظام.
أصبح النظام الليبرالي تحت الضغط منذ سنوات عديدة. ومن الواضح أنه لم يتم إحراز التقدم اللازم في تطوير المؤسسات والأجهزة القانونية. وباختصار، كنا نحاول تثبيت المسامير الدائرية للقوى العالمية للقرن العشرين في الثقوب المربعة لمؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
التمثيل المنحرف الذي يعكس الحقبة الماضية، سواء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، يقوض شرعية المؤسسات العالمية وقدرتها على مواجهة التحديات الجديدة. وقد دفع هذا إلى تحول نحو آليات غير رسمية، مثل مجموعة العشرين والمؤسسات الجديدة التي لم تُختبر بعد، مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.
سوف يهدف النهج الأمثل إلى تعزيز تمثيل الاقتصادات الناشئة في المؤسسات القائمة. وسيسعى أيضاً إلى دمج المزيد من الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل منظمات المجتمع المدني وممثلي قطاع الأعمال، في عمليات صنع القرار على الصعيد الدولي.
لكن التحدي الكبير يتجاوز الآليات المؤسسية التي شغلت معظم المعلقين، وأنا من بينهم. إن الجوهر الفلسفي للنظام الدولي الليبرالي الذي تم تهميشه، مبني على ما كان يعد فيما مضى مواضيع رئيسية في العالم الحديث -التجارة الحرة والديمقراطية وحقوق الإنسان- والتي أصبحت في تراجع أو تحت التهديد. وما لم ندرك ونعالج هذا الواقع، فإن النظام العالمي الليبرالي الذي جلب السلام والازدهار غير المسبوق للعالم على مدى العقود السبعة الماضية سيستمر في التراجع.
إن الليبرالية والنظام الدولي اللذان تم دعمهما هما نتاج عصر التنوير. وهما راسخان في الاعتقاد بالتقدم البشري المحتوم، وفي وجود رؤية وتوجيه مشتركين عالمياً –والتي تركز على التغلب على الطبيعة- حيث ينبغي اتباع أوامر المصلحة الذاتية العقلانية. ومن وجهة النظر هذه، فإن سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، والتجارة هي آليات لدفع الإنسانية إلى الأمام، حتى عندما تكون الطريق محفوفة بالصعوبات.
إن مصيرنا اليوم هو أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، لكننا فقدنا الإحساس العميق بأن لدينا هدفا مشتركا، لأن أفكارنا حول نوعية هذا الهدف قد تم اعتراضها -وحتى نفيها. ونحن نعرف الآن أن الموارد التي تدعم تقدمنا محدودة، وأن كوكبنا لا يمكنه دعم عدد متزايد من الناس بأساليب الحياة نفسها التي رافقت الازدهار تاريخياً.
لا يمكن لآليات الشمولية أن تعمل بشكل صحيح من دون أسس الأخلاق، والأهداف، والتوقعات العالمية. وما يمكنها القيام به هو دعم الاستياء والصراع، وكما تعلمنا في العام 2016، فقد دفع ذلك الناس إلى رفض العقلانية وإنكار الواقع. وهذا أمر مقلق للغاية يجب التصدي له.
الخطوة الأولى هي مواجهة الأزمة. فبدلاً من التشبث بخطاب وعقائد التنوير، علينا أن ندرك حدود عالمنا، وتحويل انتباهنا من التغلب عليه إلى الحفاظ عليه. هذه هي الرؤية والتوجيهات المشتركة اللازمة لدعم نظام عالمي جديد وحديث.
الخطوة الثانية هي تقييم ما ينبغي علينا توقعه بالضبط من هذا الواقع الجديد -ووضع معايير جديدة لقياس النجاح. إننا لا نستطيع افتراض أن الأجيال القادمة ستحصل على الكثير، لكننا نستطيع أن نعمل من أجل حصولها على الأفضل. ولتحقيق هذه الغاية، لا ينبغي أن تستند السياسة على مؤشرات حادة من التغيير الكلي، مثل إجمالي الناتج المحلي وبيانات التجارة الصافية، وإنما على مقاييس أكثر دقة تقدم صورة أكثر وضوحاً حول توزيع الثروة، والتعليم، ونوعية الحياة.
أما الخطوة الثالثة، فهي أن يكون لدى الجميع الهدف نفسه. ففي عالم اليوم، أصبحت المناهج المشتركة ضرورية لمواجهة التحديات وخلق فرص جديدة. ولن يتمكن خطاب القوميين أو المشاعر المعادية للتجارة من تغيير هذا الواقع.
بطبيعة الحال، حتى من دون أنظمة دولية فعالة ترتكز على أخلاقيات وأهداف عالمية، فإنه سيكون على المجتمع الدولي أن يتعاون لمواجهة التحديات منذ بدايتها. لكن من المحتمل أن يحصل مثل هذا التعاون فقط بعد حدوث المشكلة وتأثيرها القوي على مصالح الجهات الفاعلة.
والخطر هنا مضاعف. ويتمثل مكمن الخطر الأول في عدم وجود معايير عالمية، ما يدفع العالم إلى أن يكون تفاعلياً على الدوام. والنتيجة هي نموذج غير فعال وغير مستقر للتصدي للأزمات -ورؤية غير بناءة للمستقبل. ويكمن مصدر الخطر الثاني، والأكثر فظاعة، في عدم وجود هدف شامل يعزز النظرة المحدودة للمصلحة الذاتية، مع القرارات التي يتم اتخاذها بتحفظ، استناداً إلى نظرة المعاملات، وليس إلى نظرة نظامية.
يبدو دونالد ترامب مقتنعا بأن هذا النهج هو بالضبط ما يحتاجه العالم. لكننا نعرف حقيقة ما سينتج عن عقد صفقات قائمة على منطق المصلحة الذاتية. والواقع أنه يمكننا بالفعل رؤية النتائج الفظيعة المترتبة على سياسة حصرية غير مرتكزة على القيم في سورية. فقد بلغ الحصار الوحشي لحلب ست سنوات، ولا شيء غير الكلام الفارغ مع أنصاف الحلول التي طرحها القادة الغربيون الذين يعتقدون أن فظائع الحرب الأهلية في سورية لا تستحق اتخاذ إجراءات فعلية.
يشكل الوضع المأسوي في سورية دليلاً على واقع العالم المرير. لكن مصيرنا ليس من الضروري أن يكون مظلماً جداً. وبدلاً من الحداد على النظام العالمي الليبرالي؛ حيث يبدو الكثيرون حريصين على القيام بذلك، يجب أن نسعى إلى تحقيق هدف جديد ومشترك لترسيخ نظام عالمي حقاً -وضمان مستقبل أفضل للجميع.

*وزيرة الخارجية الاسبانية السابقة ونائبة سابقة لرئيس البنك الدولي، وعضو مجلس الدولة الاسباني، وهي محاضر زائر في جامعة جورج تاون، وعضو مجلس الأجندة العالمي المعني بالولايات المتحدة في المنتدى الاقتصادي العالمي.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق