د.أحمد جميل عزم

ترامب والتأمين الصحي

تم نشره في الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2017. 12:05 صباحاً

فيما يخاف العالم أنّ الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، ينوي الارتداد عن اتفاقيات دولية كثيرة، وعن التجارة الحرة، خصوصاً مع الصين التي هي أهم شريك تجاري أميركي، وبالتالي ضرب النظام الاقتصادي الدولي القائم على الأسواق الحرة، وعلى الليبرالية، فإنّ ترامب ينوي، كما يبدو، السير باتجاه الليبرالية الجديدة المتوحشة، في الداخل. من ذلك تخفيض التأمين الصحي للأميركيين. وبالنظر إلى أن الولايات المتحدة الأميركية، وشركاتها، وأنظمتها، تؤثر في كثير من الدول، خاصة أن شركاتها ومنظماتها لها يد ومشاركات وعلاقات مع هيئات مختلفة في العالم، فإنه من غير المستبعد أن نجد هذه الليبرالية الجديدة "تتوحش" في الكثير من الدول، وتتراجع أحلام ملايين البشر بأن تطور أنظمة بلدانهم لشمولهم في تأمين صحي، وتأمينات اجتماعية، بل قد نجد من ينادي بخفض هذه الخدمات.
أفادت دراسة صدرت أمس، عن مكتب الموازنة في الكونغرس الأميركي، أنّه إذا مرر الحزب الجمهوري والرئيس ترامب مخططاتهما بشأن قانون التأمين الصحي، وقاما بتمرير ما عجزا عن تمريره زمن الرئيس باراك أوباما، الذي وضع مطلع العام الماضي "فيتو" ورفض القانون، فإنّ 18 مليون شخص سيفقدون تأمينهم الصحي خلال أول عام من تطبيق القانون، وسيزداد العدد تدريجيا ليصل 32 مليون شخص العام 2026.
سيصبح على الكثير من الأفراد التأمين على أنفسهم مع شركات خاصة (تحظى بدعم حكومي). لكن، في الوقت الحالي، يدفع الأفراد الذين لا يؤمنون أنفسهم صحيا غرامات ضريبية، على أنه وبموجب القانون الجديد، سيصبح الأفراد أحرارا في تأمين أو عدم تأمين أنفسهم. وهذا بدوره يقلل من الدعم الحكومي بشهادات تأمين فردية، وقد يرفع عدد غير المؤمنين إلى 27 مليون شخص دفعة واحدة.
لقد أقنع ترامب الناخبين الأميركيين بأن "الليبرالية الجديدة" هي شر، وذلك وهو يتحدث ضد اتفاقيات التجارة الحرة الخارجية، وضد نقل الشركات واستثمارات رجال الأعمال الأميركيين إلى الخارج، واتهم منافسته هيلاري كلينتون وزوجها الرئيس السابق بل كلينتون، بأنهما جزء من نخب الليبرالية الجديدة، ويحصلون على ثروات بسبب ذلك (كما قالت الباحثة الكندية الاقتصادية الشهيرة ناعومي كلاين في مقال في صحيفة "الغارديان" عقب فوز ترامب نهاية العام الماضي). لكن الليبرالية الجديدة التي يشير إليها ترامب، وتتحدث عنها كلاين، كلها تتعلق بالعالم الخارجي. ومن هنا، ليس غريبا تحميل الصينيين والمهاجرين المكسيكيين والمسلمين وزر الأزمات الأميركية الاقتصادية. والقول إنّ التراجع عن حرية التجارة خارجيا، والتراجع عن اتفاقات المناخ، هو الحل.
ربما يدخل ترامب في صراع مع رجال أعمال بشأن مصانعهم واستثماراتهم في الخارج. لكن على الصعيد الداخلي فإنه، وكما يقول "بن تارنوف" في "الغارديان"، فإنّ ترامب سيكون بمثابة "أصولي (في إيمانه) في السوق الحرّة؛ فيخفض الضرائب (وهو ما تستفيد منه الشركات والأغنياء)، ويلغي القوانين الاقتصادية (لتصبح السوق حرة تماماً)". ومما يتضمنه برنامج ترامب، خصخصة الخدمات والقطاع العام (كالصحة والتعليم)، أو جعلها تعمل كالقطاع الخاص، وهذه سياسات ليبرالية متطرفة.
قد يرضي ترامب ويتحالف مع الشركات ورجال الأعمال الأميركيين وهو يزيد الإنفاق العام في شؤون مثل الأمن والجيش، ما يزيد مبيعات شركات صناعة السلاح، وحتى شركات تكنولوجيا المعلومات التي تعمل في مجالات الرقابة والتنصت. وسيرضيهم أيضاً خفض الضرائب.
يتجه ترامب، إذن، إلى سياسة تجارية تقوم على سياسات الحماية وتعظيم الصادرات وخفض الواردات، ومنع انتقال الاستثمارات للخارج. وهو ما يسمى بالسياسات "المركنتيلية"، أو القومية الاقتصادية. لكن على العكس من ذلك، يتجه للمزيد من "لبرلة" الأسواق وتقليص دور الدولة في الخدمات العامة وتقديم ما يسمى "الرفاه الاجتماعي" للناس، وترك كل شخص ليتدبر أمره بنفسه.
سيركز ترامب على الهجوم على الأجانب والعالم الخارجي، بينما يتمتع رجال الأعمال في الداخل بميزات إضافية. وهذا ما تسميه أستاذة العلاقات الدولية في جامعة كولارادو بدنفر، ساشا بيرغر بوش: "الليبرالية الجديدة القومية" (ليبرالي في الداخل، حمائي–مركنتيلي هجومي في الخارج).
من جهة ثانية، ستكون مشكلة لكثير من الشعوب إذا استمرت حكوماتها ونخبها وشركاتها باستنساخ النموذج الأميركي في الاقتصاد، فسيزداد الفقر ويزداد نفوذ الشركات الاحتكارية والكبرى، وتتقلص خدمات الدول لشعوبها.

التعليق