الخطاب الديني: النسخة الأصلية والنسخ المُزوّرة

تم نشره في الجمعة 20 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

في تمثّلات المُتديِّن للدين الإسلامي، بصفته مُجسدَّاً –أعني الدين- في أنساق معرفية بعينها، واعتبار ما عداها من أنساق محض وهم وضلال، أمكن رصد عدّة مراتب في مقاربة النص الديني المُؤسِّس، وكيفية تعامل المُـتديِّن مع هذه المراتب، والحكم عليها "صلاحاً" أو "ضلالاً" وفقاً لاعتبارات الصورة المبدئية القارّة في ذهن ذلك المُتديِّن.
وعليه، أمكنني تقسيم هذه الكيفية إلى مستويين "داخلي + خارجي"، وكل مستوى منهما يحتوي على مستويين هو الآخر:
1 - المستوى الأول، إذ يتمثّله المُتديّن ساعة يُقارب النص الديني من:
أ‌- الداخل، أي أن يقاربه شخص مسلم ينتمي إلى الجماعة نفسها التي ينتمي إليها المُتديِّن، بحيث تكون النتائج التي يتوصّل إليها هذا المُقارب للنص الديني، هي النتائج ذاتها التي يؤمن بها المُتديِّن. ساعتها سيتم التعامل معه بصفته 1- مُلْهَمَاً من قبل الله، فهو ممن هداهم الله إلى المحجّة البيضاء، ومسح على قلوبهم لكي يُوصلوا رسالته إلى الناس. 2- مُلْهِمَاً للناس وتبيان ما خفي عنهم، لذا يصبح الاقتداء واجباً دينياً ينبغي تطبيقه، أو الجنوح عن جادة الصواب، فهو تمثيل جلي لإرادة الله على الأرض.
ب‌- الخارج، أي أن يقاربه شخص مسلم، لكن من خارج منظومة التديّن التي يؤمن بها المتديِّن، ويتمثّل منهجها تمثّلاً أخيراً في هذا العالَم. ورغم أن هذا الشخص سيكون مسلماً، لكنه سيوصم بوصمة العار من قبل المُتديِّن الذي يتّبع نهجاً بعينه؛ فهو من الفئة الضالة التي طمس الله على قلوبها، وجعلها تتيه على غير هدى. لذا، هي فئة تعيث فساداً في الأرض، عبر مقاربات عبثية للنص الديني، الذي لا يُمكن أن يُفهم فهماً صحيحاً إلا من قبل المُتديِّن ومن هم على شاكلته. وعليه، فثمة سعي دوؤب إلى تأثيم هكذا مقاربات للحدّ من انتشارها بين الناس، نظراً للخطورة الكبيرة التي تستهدف قيمهم الدينية في هذا العالَم؛ فَلَكم رأينا شتماً وقدحاً بكثير من المفكرين الإسلاميين الذي نظروا للنصّ الديني خارج إطار ما هو متعارف عليه من قبل المُتديّن التقليدي.
2 - المستوى الثاني (بالضرورة يكون المُقارِب هَهُنا غير مسلم على الأغلب)، إذ يتمثّله المُتديّن ساعة يقارب النص الديني من:
أ‌- الداخل؛ إذ يعمل الذي يقارب النص الديني على تدبيج عبارات الشكر والمدح والثناء لما فعله النص الديني في بنية الحضارة الإنسانية، والتطوّر الديني/ الدنيوي الذي أحدثه هذا الدين، ونقل بموجبه العالم من مرحلة أقل شأناً إلى مرحلة أكثر شأناً، وما إلى ذلك من عبارات الثناء والتقدير. ساعتها، سينظر المتدين إلى هذا المُقارِب على أنه شخص "مُنْصِف" للإسلام والمسلمين، فهو إذ ينطق بعبارات الثناء والتقدير، فإنه ينطق بالحقّ، وهذا هو عين الموضوعية كما يتفهّمها هذا المتديّن، ولا يبقى على هذا المُقارِب إلا أن ينطق بالشهادتين، لكي يهديه الله هداية كاملة، ويدخل في الدين الحنيف.
ب‌- الخارجي؛ إذ يعمل الذي يقارب النص الديني على تفكيك منظومة النصّ الديني تفكيكاً معرفياً أو تاريخياً، ومحاولة فهم الملابسات والالتباسات التي أحاطت بالدين الإسلامي، سواء في لحظة التكوّن والنشوء، أو في لحظة التداعيات التي ما تزال مستمرة حتى الآن؛ مع ما يحتمله هذا التفكيك من استدعاء وبناء لوجهات نظر غير تلك التي تربّى عليها المُتديّن، مما يستدعي غضبته لهكذا مقاربات، لا هدف لها إلا النيل من الإسلام وأهله. لذا يتم النظر إلى هكذا شخص مُقارِب بأنه "مستشرق"، مع ما تستدعيه هكذا كلمة من حمولة سلبية في ذهن المُتديّن، فهو شخص بالضرورة حاقد وناقم على الإسلام والمسلمين، لذا يسعى إلى النيل منهم ومن دينهم.
وعليه، بناء على هاته المقاربات التي أشرتُ إليها اقتضاباً هَهُنا، اقتضاء لواقع الحال، وموقف المُتديّن منها، يصبح الخطاب الديني الذي يتناول النص الديني خطاباً مزدوج المنحى الهوياتي. إذ:
1 - ثمة نسخة صحيحة واحدة من هذا الخطاب، وهي تحديداً تلك التي قرّت في ذهن المُتديِّن، على اعتبار أن المقاربات التي اشتُغِل عليها وتمّ إقرارها بالتوارث، وتحوّلها بالتقادم إلى جين ديني في بنية المتدين المعرفية والسيكولوجية، هي المقاربات الأصح والأقدس والأطهر لهذا النص.
2 - ثمة نُسخ مُزوّرة من هذا الخطاب، لأنها لا تنسجم مع مقتضيات المقاربات التي يقرها المُتديّن. رغم علم المُتدين أن المرجعية التي يستند إليها من يقارب النص الديني الإسلامي، هي المرجعية ذاتها التي تُبيح له إصدار أحكام تأثيمية بحقّ من يخالفوه الرؤية والتوجّه المعرفي.
واستناداً إلى هذه الازدواجية، فإنَّ الحرج الكبير ليس لهذه النسخة الصحيحة! أو لتلك النسخ المُزوّرة فحسب، بل للأساس الذي انبنت عليه هذه الرؤى، ولا سيما ما تعلّق منها بعالميته وعبوره الأذهان والأزمان. فهي، وفقاً لمقتضيات النسخة الواحدة الطاهرة والنُسخ المُتعدّدة الآثمة، عالمية طوباوية ليس إلا، ولا معنى لها على أرض الواقع، فالشرنقة التي يتحوصل بها الخطاب الديني ويحكتر بموجب نواميسها قضية التعامل مع النص الديني، هي شرنقة ضيقة ولا مجال فيها إلا لأناس بعينهم من دون الناس جميعاً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الخطاب الديني (لارا علي الشبلي العتوم)

    الجمعة 20 كانون الثاني / يناير 2017.
    مقال بالطبع و لا أجمل
    و ارجو ان تسمح لي بإختصار شديد :
    ما نعاني منه ان كل واحد اعطى نفسه الافضليه و انه الاقرب الى لله عزوجل من منطلق المامه بالنص فألزم غيره بطاعته في طاعة الله (وسيط الله) مما اوجد
    الخطاب الديني خارج عن دائرة المنطق وفارغ من أي مضمون عقلاني ممتلئ بالتزمت و العصبيه
    و هنا باعتقادي السؤال الاهم بما ان الخطاب الديني عباره عن رسائل إصلاحية تستهدف الصواب و الاخلاق منبثقا عن الدين ذو الجاتب الغيبي القابل للتعقل و الجانب الروحاني (الايمان)
    فما متطلبات الخطاب الديني حاليا و ما كيفيه تأسيسه ؟!