محمد برهومة

محددات الحوار الخليجي-الإيراني

تم نشره في الجمعة 20 كانون الثاني / يناير 2017. 12:06 صباحاً

ثمة تزايد في التصريحات الإيرانية والخليجية التي تتحدث عن ضرورة الحوار الخليجي-الإيراني. فقد قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، إن إيران والسعودية يجب أن تعملا معاً للمساعدة في إنهاء الصراعات في سورية واليمن، بعد التعاون بنجاح بشأن لبنان العام الماضي. من جانبها، نقلت الكويت رسالة خليجية إلى إيران تتعلق بالحوار معها قريباً. وهي كُلّفت بذلك في كانون الأول (ديسمبر) الماضي بعد القمة الخليجية الأخيرة في البحرين. هذه ليست المبادرة الخليجية الأولى؛ فقد سبقتها مبادرات منها إعادة الدوحة في الربيع الماضي طرح المبادرة التي أعلن عنها أمير دولة قطر في أيلول (سبتمبر) 2015، وعرض فيها استضافة بلاده حواراً بين دول الخليج العربية وإيران لإنهاء الخلافات السياسية. ووصف الأمير الخلافات بين الجانبين بأنّها "سياسية وليست مذهبية". وقال إنّ إيران دولة جارة مهمة، مشترطاً أن يكون الحوار مع إيران قائماً على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج. إنما الجديد والمغاير في الرسالة الكويتية أنها تأتي في ظل ثلاثة معطيات: أولها، تسلّم إدارة أميركية جديدة لا تنظر بإيجابية إلى إيران وتتهمها برعاية الإرهاب في المنطقة، وتُهدد بإعادة النظر في الاتفاق النووي الإيراني. وثانيها، قناعة الأطراف الإقليمية باستنفاد كثير من طاقتها في الصراع على أكثر من جبهة: من اليمن وسورية إلى العراق ولبنان... واقتناعهم بفشل "المعادلات الصفرية" في الصراع، برغم ما يظهر من صعود إيراني في العراق وسورية. وثالثها، أن تصادم المصالح لم يقتصر على أهل الخليج وإيران فقط؛ فسعي إيران إلى تعديل موازين القوى في الإقليم لصالحها يعرقل أيّ احتمالية لحوار متوازن ينزع عوامل الصراع مع تركيا أيضاً. وإذا كانت دعوة الرياض أخيراً لحوار وتفاهم مع طهران بخصوص ملف الحجاج خطوة جزئية وفنية، فإنها لا تنفصل عن الأبعاد السياسية المهمة الساعية إلى نزع أي فتيل قد يؤجج الأزمة الإقليمية ويُخرجها عن السيطرة.
بصراحة، لا تكفي النوايا الطيبة وحدها للتأسيس لحوار خليجي-إيراني يحقق تسويات ويخفف من حدة التوتر وينزع فتيل الأزمات. وما يقودنا إلى قول ذلك أسباب منها أنه ليس ثمة رؤية واضحة أو تفصيلية حول شكل أي هيكل أمني إقليمي يضم دول الخليج العربية وإيران وكذلك العراق. وما يزال هذا الطرح يأتي من بعض الدول الخليجية، أو بضغطٍ من أطراف دولية، ولم نلمس تفاعلاً إيجابياً من قبل إيران مع هذا الطرح، ربما رغبةً منها في تحقيق مزيد من النقاط والمكاسب الاستراتيجية (في سورية والعراق ولبنان واليمن)؛ بهدف الهيمنة على المشهد الإقليمي وقيادته وبالتفاهم المنفرد مع القوى الدولية الكبرى. ثم إن قيام أيّ هيكل أمني إقليمي يتطلب إجراءات لبناء الثقة بهدف تخفيف حدّة التوتر والصراع بين الأطراف الإقليمية المتنافسة والمعنية بهذا الهيكل، وهو شرط ما يزال مُنتفياً، حتى الآن، بين إيران ودول الخليج العربية، وما تزال خطوات ومؤشرات بناء الثقة غائبة في ظل استمرار الحروب والانقسامات حيال الملفات الإقليمية، وتضارب شبكة المصالح، وتناقض الأجندات المحلية والإقليمية والدولية. وقد دلّت المشاورات التي سبقت حوار الأستانة أن ذلك يشمل تركيا أيضاً. إضافة إلى ذلك، ثمة غياب للجهات الضاغطة لإنجاز هذا الهيكل والضامنة لقيامه وتنفيذه، وانتظار القوى الدولية أنْ يتمّ قيام هذا الهيكل عبر توافق الأطراف الإقليمية في المنطقة بأنفسهم على إقامته، من دون المبادرة الدولية حتى بتحديد ماهيّة القضايا والملفات التي تحتاج إلى ضمانات من قبل القوى العالمية الكبرى. وربما تدفع مآلات الأزمة في سورية واليمن إلى تحريك ذلك.

التعليق