جمانة غنيمات

اقتصاد المنابر

تم نشره في الأحد 22 كانون الثاني / يناير 2017. 12:10 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 22 كانون الثاني / يناير 2017. 11:06 صباحاً

لم يفشِ إمام الحضرة الهاشمية، قاضي القضاة، سماحة الشيخ أحمد هليّل، سراً بقوله في خطبة يوم الجمعة الماضي، إن الأردن يمرّ في أزمة مالية خانقة، داعياً دول الخليج العربية إلى أن تهبّ لنجدته. فقد بات معروفاً أن التحدي الاقتصادي هو المشكلة الأكبر التي تمر فيها المملكة.
وما خطب به هليل هو، أساساً، إعلان غير مباشر بتوقف المنح العربية، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشكلة ويعمقها، خصوصاً أن الموازنة العامة اعتمدت خلال السنوات الماضية على المنحة الخليجية في تمويل النفقات الرأسمالية.
لكن ما أخطأ فيه سماحته، هو استخدامه منبراً دينياً لطلب عون الأردن ومساعدته قبل فوات الأوان؛ وبأسلوب استفزّ الأردنيين، ومنهم مسؤولون، رغم أنهم يدركون مدى الحاجة إلى مثل هذه الأموال في ظل الظرف الصعب. ولتكون النتيجة تعرّض الشيخ للهجوم بوابل من ردات الفعل المتوقعة لمن يعرف طبيعة المجتمع الأردني المعتز بنفسه. كما استثارت الخطبة هجوماً من نشطاء التواصل الاجتماعي في دول خليجية؛ تساءلوا عن مصير الأموال التي تقدمها دولهم للأردن، وسط اتهامات للحكومات بإضاعة المال وهدره. علماً أن ما قدّمته دول الخليج للأردن ليس منّة كما يظن البعض، بل هو حق له؛ لدوره الجيوسياسي المهم في مختلف الملفات الشائكة التي تعاني منها المنطقة، وعلى رأسها الحرب على الإرهاب.
ما قاله هليل أمر يفكر فيه كثير من السياسيين، لكن "ما هكذا تورد الإبل". وقد بدا مصدر حكومي مسؤول متضايقاً من الخطبة، مؤكداً أنه لم يُطلَب من سماحته قول ما قاله، وهو بذلك يعبر عن رأيه الشخصي فقط.
إدارة ملف المنح والمساعدات التي طالما اعتمد عليها البلد، له وزراء معنيون؛ تحديداً وزير الخارجية وشؤون المغتربين ووزير التخطيط والتعاون الدولي ورئيس الوزراء. وقد يرتفع المستوى، تبعا لحجم الملف وما تقتضيه الحاجة، كما أن التعامل مع هذا الأمر يتم عبر قنوات السياسة والدبلوماسية؛ بعيداً عن الأضواء، وليس على منابر المساجد.
مع ذلك، فإن هذه الخطبة الإشكالية تثير الحوار، مرة أخرى، بشأن مبدأ الاعتماد على الآخر. وهو الباب الذي إنْ لم نغلقه بإرادتنا، فقد تغلقه الدول المانحة بقرارها المنفرد. وهو ما تبدو نذره في الحديث عن عدم تجديد المنحة الخليجية التي بلغت قيمتها 4 مليارات دولار (بعد عدم وفاء دولة قطر بالتزامها البالغ مليار دولار)؛ فحصل الأردن على مليار دولار سنويا منذ العام 2012.
وتبرر دول الخليج عدم تجديد المنحة بالأوضاع الاقتصادية التي تمر فيها؛ نتيجة تراجع أسعار النفط بدرجة رئيسة، مقابل ارتفاع إنفاقها العسكري. لكنه مبرر غير مقنع، لأن مئات ملايين الدولارات لا تكاد تعني شيئاً لاقتصادات هذه الدول بإيراداتها الضخمة المقدرة بمئات المليارات.
في السياق ذاته، يلزم أيضاً التوقف عند تصريحات الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب. إذ قال في خطاب ما بعد التنصيب إن بلاده دفعت كثيراً من الأموال في الخارج ولم تستفد منها. فهذا كلام مريب من رئيس لا يمكن التكهن بقراراته، ولا سيما تلك المتعلقة بمنطقتنا، في وقت يحتل الأردن المرتبة الثالثة ضمن أعلى الدول تلقياً للمساعدات من الولايات المتحدة الأميركية، والتي تحتل، من زاوية أخرى، المرتبة الأولى بين الدول المانحة للمملكة.
هكذا، تكون النتيجة الواقعية، ولربما الوحيدة لكل ما سبق، هي ضرورة تبني الحكومات والمؤسسات الأخرى مبدأ الاعتماد على الذات؛ فكراً وعملاً. وإن لم يقتنع المسؤولون بهذا المبدأ، أو ظنوا تطبيقه صعباً، فيكون من المفيد الربط بين السياسة الخارجية والمنافع والنتائج المترتبة عليها لصالح الأردن. وقياس ذلك بموضوعية قد يدفع الأردن إلى تحوّل، أو أقلها استدارة بشأن ترتيب علاقاته الخارجية، خدمة لمصالحنا الوطنية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من فتحت عيوني وانا اسمع الدوله مديونه (وليد الخطيب ابو النور)

    الأحد 22 كانون الثاني / يناير 2017.
    السلام وعليكم السلام عليكم وبركاته الى متى تبقى يدنا السفلى
  • »هليل (يحيى)

    الأحد 22 كانون الثاني / يناير 2017.
    ربما خطبة الدكتور أحمد هليل كانت الملجأ الأخير وربما تكون الورقة الرابحة ... عسى ان يكون ذلك
  • »مطلع مش فاهم اشي (سامي)

    الأحد 22 كانون الثاني / يناير 2017.
    الخطاب برأيي الشخصي لم يكن في محله ابدا دول الخليج لم تقصر معنا كاردنيين ابدا فاذا لم نساعد انفسنا لن يساعدنا احد
  • »تحية لفضيلة الشيخ هليل (شاهين علي شاهين)

    الأحد 22 كانون الثاني / يناير 2017.
    اثمن عاليا ما تفضل الشيخ بقوله والذي لم يتجرأ غيره على قوله ممن هم في موقع يفترض انه من واجبهم ان قولوا اكثر من ذلك للاخوة في دول الخليج, فلا شك ان الاردن يتحمل اعباء كبيرة تفوق قدرة الدول المثيلة وكثير من هذه الاعباء بسبب حرص الاردن على تأمين طول الحدود لدول الخليج العربي واعتقد ان الشيخ لم يفرط في عزة وكرامة الاردن بل وضع بعض النقاط على الحروف , فهل يوجد من يكمل المهمة؟
  • »قلة ادب (برهان)

    الأحد 22 كانون الثاني / يناير 2017.
    لماذا الدولة لم ترسل وفد رسمي الى الدول العربية
    ليدرس الامر بينهم
    اما استعمال المنابر لطلب الحاجة فهو امر غير مقبول
    لما لم يستعملوا الطرق الصحيحة للشحده
  • »لقمة (فايز شبيكات الدعجه)

    الأحد 22 كانون الثاني / يناير 2017.
    (لقمة جاري ما طّفت ناري ولحقني العار)...مثل شعبي قديم
  • »انتحار رجل ميت (بسمة الهندي)

    الأحد 22 كانون الثاني / يناير 2017.
    اتصل بي اعلامي عربي، بعد خطبة الشيخ هليل، وسألني ماذا يحدث عندكم؟ وقال "بنبرة المندهش" من يسمع خطبة الشيخ هليل يظن أن الأمر مسألة ساعات أمام الأردن إذا لم يتم انقاذ ميزانيته.
    الموضوع الأهم برأيي هو ما حدث في البرلمان، فعند التصويت على الموازنة تذكرت عنوان الروائية اللبنانية حنان الشيخ "انتحار رجل ميت".
    وذكرني اقتراح دينار الموبايل أيضا بما قالته الكاتبة الأردنية الرائعة حنان الشيخ (نعم هناك مبدعتين حنان شيخ لبنانية وأخرى أردنية) عن الدينار الذي سيقلب حياة أم صبحي رأسا على عقب. دينار الموبايل المقترح هو المثال الصارخ للضريبة المقطوعة التي تمس الختيار والطفل، العامل والعاطل عن العمل، الفقير والغني، والمرأة والرجل، وذوي لاحتياجات الخاصة؛ كل الناس. الضريبة المقطوعة هي الادمان الضرائبي الجديد للقرار الرسمي، وهو أسوأ أنواع الضرائب؛ تخيل أن رجل فقير يعبئ موبايله بدينار عليه أن يدفع ايضا دينار للحكومة. طبعا شو دينار بالنسبة لأثرياء الضرائب الذين يصنعون قراراتنا الرسمية.
  • »خطبة ليست في محلها (huda)

    الأحد 22 كانون الثاني / يناير 2017.
    نحن المغتربون في الخليج نرى ان خطبة الشيخ خليل لم تكن في مكانها الصحيح وانها قد تسبب بضرر للاردنيين العاملين في الخليج حيث قوبلت باستهجان كبير من قبل الاوساط الخليجية ففي بعض التعليقات قيل ولماذا لم يتبرع الشيخ الجليل وهو الذي يتلقى راتب وامتيازات الوزير العامل بنصف راتبه البلد وفقراء البلد بدلا من التباكي لدول الخليج التي باتت تفرض الضرائب على للمغتربين