د.باسم الطويسي

النساء وترامب والتاريخ

تم نشره في الاثنين 23 كانون الثاني / يناير 2017. 12:06 صباحاً

لا ندري إلى هذا الوقت هل التاريخ يسير اليوم عكس إرادة النساء، وهل بات التاريخ ذاته يعاند مسيرة الإنسانية الطويلة نحو انتزاع حقوق المرأة؛ في ضوء ما نشهده من انتشار واسع للقوى السياسية اليمينية والشعوبية. ويجتمع كل ذلك في لحظة تاريخية رمزية، وصلت ذروتها باستلام الرئيس الخامس والأربعين دونالد ترامب سلطاته في البيت الابيض. في المقابل، ترى هل لنا أن نعتبر حركة الاحتجاج الكبرى التي قادتها النساء وعمت مئات المدن في العالم رفضا لسياسات الرئاسة الأميركية الجديدة؛ ليس دفاعا عن المرأة بل عن حقوق الإنسان بشكل عام، دليل عافية على حجم القوة التي باتت المرأة تتمتع بها؟
مع بدء الحملة الانتخابية في الولايات المتحدة، ازدادت الإشارات الدالة على مدى عدائية ترامب للمرأة، علاوة على مواقفه الأخرى غير المسبوقة في تاريخ الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة، بما انطوت عليه من عنصرية وكراهية ومعاداة لحقوق الأقليات ولحقوق الإنسان بشكل عام. وفي الوقت الذي تعد المرأة الضحية الأولى لانتهاكات حقوق الإنسان، والضحية الأولى للكراهية، والضحية الأولى لأشكال العنصرية كافة، فإن الحملة الانتخابية كشفت عن مواقف عدائية مباشرة للمرأة، وإهانة مباشرة لكرامتها؛ إذ لم يتورع ترامب عن تقديم الأدلة على هذه العدائية، من قبيل "الفيديوهات" والتسجيلات التي سربت إلى وسائل الإعلام، وفيها إهانات مباشرة للمرأة. ويبدو أن موقفه من المرأة لا يتوقف على تسريبات وخطابات الحملة الانتخابية، بل وفق راصدي سلوك الرئيس الجديد، تتجاوز كل ذلك إلى سلوكه اليومي مع من حوله.
كشفت الحملة الانتخابية عن مستويات متعددة من عدائية ترامب للنساء؛ بدءا من معاداته للنساء المنافسات له، سواء المرشحة الجمهورية عن حزبه كارلي فيورينا، ومرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون التي نافسته للحظة الأخيرة. إذ لم يتوقف عن تصريحاته التي وصفت بالبذاءة بحق المرأتين. والمستوى الثاني هو ما كان يطلقه من تصريحات وأوصاف بحق نساء شهيرات؛ سواء ممثلات أو مغنيات أو إعلاميات، وحتى ابنته لم تسلم من تعليقاته البذيئة. أما المستوى الثالث والأهم، فهو سياساته ونواياه حيال ملفات تمس حقوق المرأة مباشرة، أو حقوق الإنسان بشكل عام.
إلى هذا الوقت، لا توجد تصورات واضحة حول مستقبل حقوق الإنسان في السنوات العشر المقبلة وحقوق المرأة تحديدا، في ضوء تصاعد نزعة ما بات يوصف بالشعبوية الغربية، والمتمثلة بالقومية المحافظة وعودة مشاعر الانكفاء على الذات، بكل ما يرتبط بها من تعبيرات وسياسات مصحوبة بنمط قاس من الليبرالية الاقتصادية الجديدة. وعلى الرغم من أن بعض تلك الحركات اليمينية تتزعمها نساء كما هي الحال في فرنسا، فإن الخبرة التاريخية تؤكد من دون شك أن أي نزعة سياسية تنتقص من حقوق الإنسان أكثر من يدفعها ثمنها النساء.
عودة إلى البداية، فإن ما يقلل من مساحة التشاؤم هو أن قوة النساء اليوم في العالم أكثر من أي وقت سبق. وهذا ما عكسته تظاهرات يوم السبت الماضي، وهو ما لن يسمح باغتيال ما تحقق للبشرية من إنجازات للمرأة خلال أكثر من قرن. فالدرس الأميركي الجديد في مقاومة "الترامبية" يجعل النساء في العالم هن رأس الحربة في قيادة النضال الإنساني الجديد لحماية حقوق الإنسان.

التعليق