ترامب.. إيران واستقرار الشرق الأوسط

تم نشره في الخميس 26 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً

خافيير سولانا*

مدريد- من سوء الطالع أنه قد تم التوصل إلى عدد قليل جداً من الاتفاقيات في السنوات الأخيرة. وخلال فترة طغت فيها المنافسة بين القوى العظمى بشكل عام على التعاون، فإن هناك استثنائين مهمين، هما الاتفاق النووي مع إيران واتفاقية باريس للمناخ -وهما يعطيان الأمل بأنها ما تزال هناك إمكانية لاستجابة رسمية ومتعددة الأطراف للتعامل مع التحديات العالمية.
لكن دونالد ترامب يهدد حالياً بالتنصل من كلتا الاتفاقيتين، وقد أظهر انتخابه كرئيس للولايات المتحدة الأميركية هشاشتهما. وإذا انسحبت الولايات المتحدة الأميركية من أي من هاتين الصفقتين أو فشلت في التقيد بهما، فإنها سوف توجه ضربه قاصمة لنظام الحكم العالمي الذي يعتمد على الاتفاقيات متعددة الأطراف في حل المشاكل العالمية.
إذا أردنا أن نعرف ما هو الذي على المحك، يتوجب علينا النظر إلى خطة العمل الشاملة المشتركة بين إيران من جهة والأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. وقد تصادفت الذكرى السنوية الأولى لخطة العمل الشاملة المشتركة مع حفل تنصيب ترامب. ولذلك، سيكون من المفيد أن نتذكر كيف تم التوصل إليها وما الذي سيحصل إذا فشلت.
أجرى الأوروبيون أول اتصال مع إيران فيما يتعلق بهذه القضية سنة 2003، عندما تفاوضوا مع أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني آنذاك حسن روحاني، وتوصل كلا الطرفين إلى اتفاقية سنة 2004، ولكنها لم تستمر طويلاً. وفي سنة 2005، شكل انتخاب محمد أحمدي نجاد كرئيس لإيران نقطة تحول. وبينما استمرت المفاوضات الرسمية، فإنه لم يتم إحراز أي تقدم يذكر. وفي الوقت نفسه، كان البرنامج النووي الإيراني يتقدم بسرعة على الرغم من معاناة الإيرانيين بسبب العقوبات الاقتصادية الصارمة.
تمكن روحاني من الفوز بالانتخابات الرئاسية سنة 2013، علماً بأنه عندما تفاوض مع الدبلوماسيين الأوروبيين سنة 2003، كانت إيران تمتلك برنامجاً نووياً متواضعاً وكانت تواجه صعوبات كبيرة في تخصيب اليورانيوم. وبعد عشر سنوات من ذلك التاريخ، تمكنت إيران من تركيب الآلآف من أجهزة الطرد المركزي، ولحسن الحظ تكللت الجهود الدبلوماسية المضنية خلال العامين التاليين لانتخاب روحاني بالتوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة.
بطبيعة الحال، تعالت الأصوات في الولايات المتحدة الأميركية التي لم ترحب بالاتفاقية أو بإمكانية التفاوض مع إيران على الإطلاق، كما أعربت بلدان أخرى في الشرق الأوسط عن خشيتها من أن تغير الاتفاقية من توازن القوى الإقليمي وتضر بمصالحها. وقدم معارضو الصفقة ثلاثة أسباب رئيسية لرفضها، وهي: أنه لا يمكن الثقة بإيران للوفاء بالتزاماتها؛ وأن الاتفاقية ستعزز موقع إيران الإقليمي بطريقة غير مقبولة؛ وأن إيران لا تستحق هذه الفرصة.
هل أوفت إيران بالتزاماتها خلال السنة التي تلت تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة؟ تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران قد أوفت بالفعل بالتزاماتها؛ حيث سمحت إيران للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش على جميع المواقع التي طلبت الوكالة رؤيتها -بما في ذلك تلك المواقع التي كان قد تم منعها من زيارتها قبل الاتفاقية- كما أعطت المفتشين الإذن بتفقد أنظمتها الإلكترونية وسلسلة التخصيب.
تصر الوكالة الدولية للطاقة الذرية على أنه لا يوجد بلد تمت مراقبته بشكل لصيق مثل إيران. وكما أشارت مجموعة الأزمات الدولية، فإن "ترامب هو أول رئيس أميركي خلال أكثر من عقدين من الزمان يتولى مهام منصبه وهو ليس بحاجة إلى القلق من قيام إيران بتخطي عتبة التسلح النووي من دون أن يتم كشفها".
في واقع الأمر، كان الكثير منا يأمل أن تعمل الاتفاقية على تحسين علاقات إيران مع جاراتها ومع الولايات المتحدة الأميركية بشكل ملحوظ، ولكن ذلك لم يحدث. وقد خلقت الاتفاقية نافذة دبلوماسية من أجل تحقيق الاستقرار في المنطقة، وإنما تمت إضاعة تلك الفرصة. فقد استمرت الحروب في سورية واليمن، ومن غير المرجح أن يحدث أي تقارب سعودي إيراني في أي وقت قريب، كما من الواضح أن روسيا تفرض نفسها في المنطقة.
لكن اللوم لا يقع على عاتق خطة العمل الشاملة المشتركة والتي تم التفاوض بشأنها كاتفاقية عدم انتشار على وجه التحديد؛ حيث كان إحراز أي تقدم فيما يتعلق بالدبلوماسية الإقليمية في ذلك الوقت مستحيلاً. ولكن، نظراً لفترة الغموض المقبلة تحت حكم ترامب، فإن على أطراف التفاوض الأوروبية تحمل مسؤولياتها في المحافظة على خطة العمل المشتركة الشاملة، كما يتوجب عليها بشكل عاجل اقتراح مبادرة لزيادة الاستقرار في المنطقة.
دعت روسيا وتركيا لعقد اجتماع في كازاخستان هذا الشهر لمجموعات المعارضة السورية والحكومة السورية، من أجل البدء بمحادثات سلام. ويجب توسيع هذه الجهود لتشمل أطرافاً أخرى، واستخدامها كخطوة أولى من أجل بناء الثقة على المستوى الإقليمي. وسوف تستفيد جميع الجهات ذات العلاقة من تركيز جهودها على صنع السلام عوضاً عن انتقاد الاتفاق مع إيران.
من المخيف أن نتصور الوضع الحالي من دون خطة العمل الشاملة المشتركة. وترغب السعودية التي تعاني من المشاكل في إنهاء تدخلها العسكري في اليمن، ولكن ذلك لن يكون سهلاً. ومن جهتها، أطلقت إيران الحملة الانتخابية الرئاسية بينما تفيق من صدمة وفاة أكبر هاشمي رافسنجاني، وهو رئيس سابق وأحد مؤسسي الجمهورية الإسلامية. وتسعى تركيا إلى أن تكون محصلة النزاع السوري متوافقة مع سياستها تجاه الأكراد. أما روسيا، فتحتاج إلى سحب قواتها من سورية، لأن ذلك التدخل يستنزف اقتصادها، كما أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى حل أزمة اللاجئين في سياق الاستقرار الإقليمي.
يجب أن يفكر ترامب بجدية بمصالح أميركا ومصالح المنطقة. وإذا فكر بذلك فعلاً، فسوف يدرك أن البديل عن المساهمة في الاستقرار الإقليمي هو المخاطرة برؤية كابوس أكبر.

*كان الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للأمن والسياسة، والأمين العام لحلف الناتو، ووزير خارجية أسبانيا. وهو الآن رئيس مركز "إيساد" للاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق