ماجد توبة

سورية وقطار المراجعات الاستراتيجية

تم نشره في الخميس 26 كانون الثاني / يناير 2017. 12:08 صباحاً

تتوج مباحثات الأستانة بين الحكومة السورية والمعارضة المسلحة، وما تمخض عنها من نتائج "مبشّرة"، محطة جديدة من مرحلة التغيرات الاستراتيجية في مواقف ومقاربات القوى الدولية وبعض القوى الاقليمية الفاعلة في الأزمة السورية، وهي تغيرات وتحولات بدأت وتعززت بالتقارب الروسي التركي، ولاحقا بانضمام إيران بدرجة ما لهذه الرؤية الجديدة، فيما تبدو الإدارة الأميركية الجديدة راضية أو غير معنية بالتعطيل لهذه الجهود في اشتباكها مع الأزمة المركبة في سورية.
الطرف الوحيد الذي ما يزال بعيدا عن الانخراط الحقيقي في الحركة والعملية التي تنتجها هذه التغيرات الاستراتيجية، هو الطرف العربي إن جاز لنا وضع هذا الطرف في كفة واحدة، في ظل الانقسامات والاستقطابات العميقة بين المواقف العربية من الأزمة السورية وغيرها من أزمات وتحديات. لكن يمكن التركيز هنا على غياب المحور العربي المناهض لإيران، والمناهض أيضا وإن بصورة غير مباشرة ومستترة للتدخل الروسي القوي في الأزمة، وإصرار هذا المحور –كما يبدو- على عدم النزول عن شجرة الحسابات والأدوات السابقة في اشتباكه مع الأزمة.
منذ دخول "التسونامي" الروسي على خط الأزمة السورية قبل نحو عامين، بكل ما حمله هذا التدخل من ثقل عسكري واستراتيجي وسياسي، انقلبت أغلب المعادلات، ليس فقط على صعيد الأزمة السورية بل على صعيد سلسلة متداخلة من الأزمات والعلاقات والحسابات في الإقليم والعالم. وقد أسهم توصل الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة للاتفاق النووي التاريخي مع إيران في تعزيز الخط المتصاعد لتغير المعادلات والاصطفافات الإقليمية والدولية في اشتباكها مع القضية السورية.
في هذا السياق، تكون النتائج التي تمخضت عن مباحثات الأستانة انعكاسا أوليا على الأرض لهذه التغيرات الاستراتيجية، التي باتت تفتح أفقا حقيقيا للوصول إلى حلول سياسية للأزمة السورية.
السؤال المفتوح اليوم على وسعه هو عن موقع المحور العربي المناهض لإيران من هذه التحولات العميقة على خريطة القوى المؤثرة. الثابت حتى الآن، أن ثمة ارتباكا وفقدانا للقدرة على التقاط اللحظة باتجاه إعادة الحسابات والتقديرات الاستراتيجية. وتشير المعطيات المعلنة في سياسات هذا المحور إلى غياب المراجعة الحقيقية لسلة الخيارات والمقاربات الممكنة للتعامل مع هذه التغييرات الاستراتيجية في الإقليم.
تركيا التي سبق أن انخرطت بقوة وفعالية في المحور المناهض لإيران، تحديدا عبر إشعال الأرض السورية بتسليح المعارضة والضخ الكبير للمقاتلين والسلاح والمال والدعم السياسي، عادت منذ عدة أشهر إلى مراجعة استراتيجية لمقارباتها، استنادا إلى ما فرضه التدخل الروسي الكاسح، فيما اضطرت إيران أيضا إلى إعادة حسابات كثيرة وإجراء مراجعاتها، تحديدا فيما يتعلق بالأزمة السورية، بينما بقي المحور العربي المناهض لإيران حتى الآن بلا مراجعات حقيقية، على الرغم من أن الأمور على الأرض تسير باتجاه واقع جديد يرسم ملامحه ائتلاف دولي إقليمي جديد.
قد يكون المحبِط إلى درجة كبيرة، في هذا السياق، أن لا مؤشرات حقيقية حتى الآن لحدوث مثل هذه المراجعة، وان ضياع المصالح العربية وتأثرها سلبا، لن يقف عند هذا المحور العربي المناهض لإيران، بل ويطال مصالح المجموع العربي، الذي دفع ثمنا كبيرا جراء حالة الاستقطاب، والمقامرات المدمرة في سورية على مدى السنوات الست الماضية.

التعليق