د.أحمد جميل عزم

لو كان ترامب عربيا؟

تم نشره في الخميس 26 كانون الثاني / يناير 2017. 01:04 صباحاً

أحد الأساليب الممكنة لكتابة هذه المقالة، هو أن تضع فقرات من خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم تنصيبه الأسبوع الماضي، من دون أن تذكر في البداية لمن هذا الخطاب، ثم تسأل القرّاء، بعد ذلك: كم هي نسبة الجمهور العربي، أو أي جمهور، يمكن أن يقاوم التصفيق لهذا الخطاب لو كان قد ألقي من قبل قائده؟ كم ستحتفل الصحف العربية، في تلك الدولة، به؟
لقد كان خطاب ترامب، الذي يعبر ربما عن طروحاته التي أوصلته إلى الفوز بالانتخابات، وطنيا أميركياً. هذا فضلا عن أنه بدا يتحدث ببلاغة مرتجلا، لا يقرأ من ورقة.
الواقع أنه فضلا عن وجود أزمة في قدرات جزء كبير، وربما الغالبية العظمى من الرؤساء والقادة العرب الحاليين، على الحديث بطريقة ترضي الجماهير، وتستثير حماستها، وتقدم خطاباً مقنعاً للعقل، محركاً للعواطف، فإنّ المضامين تبدو بعيدة عن التفكير والوجدان الشعبيين في كثير من الأحوال. وعلى العكس من هذا جاء خطاب ترامب، مع أن هذا لم يحل دون تظاهرات غير مسبوقة في الشوارع الأميركية ضده.
استخدم ترامب، بشكل كبير، تعبيرات مثل "نحن"، وأشار إلى دور الشعب الأميركي في صناعة القرار. وهذا بالتأكيد ما يتمناه المواطنون؛ أن يتم سماع صوتهم وإشراكهم في العملية الديمقراطية. فبدأ خطابه قائلا: "نحن، مواطني أميركا، انضممنا في جهد وطني عظيم لإعادة بناء بلدنا واستعادة الأمل لكل شعبنا". وقال: "سنواجه التحديات، ونتحدى المصاعب، ولكن سنحقق المطلوب".
ولنتخيل شعوبا عربية غاضبة من نخبها التي تحكمها، ومن اقتصادييها، تسمع -وهي تقف في الشارع- شيئا يشبه قول ترامب: "في احتفالنا اليوم، لا ننقل السلطة من إدارة لأخرى، أو من حزب لآخر، ولكن نعيدها من واشنطن (يقصد مقر الحكم) إليكم، إلى الشعب".
ولنتخيل رئيسا يهاجم النخب التي يُحمّلها الشارع مسؤولية مصاعبه، فيقول: "حتى الآن فإن مجموعة صغيرة تحقق المكاسب من الحكومة. أما الشعب، فهو الذي يدفع التكاليف"، أو أن "السياسيين يزدهرون والشعب لا يشاركهم الثروة". ثم يقول: "كل هذا سيتغير بدءا من اللحظة، لأنها لحظتكم أنتم". ويعود ويخاطب الجوعى والفقراء كـأنه زعيم ثوري وهو يقول: "الأمهات والأطفال غارقون في الفقر في أعماق مدننا، بينما المصانع صدئة تتناثر مثل شواهد قبور تملأ صورة أمتنا". ويتحدث عن الجريمة والعصابات والمخدرات التي تسرق حياة الكثيرين وتحرم البلاد من تحقيق ما يمكنها تحقيقه.
ثم يتحدث عن مجد تاريخي بقوله: "جئتم بعشرات الملايين لتكونوا جزءا من حركة تاريخية، لم ير العالم مثيلا لها قبل الآن". بالطبع، فإن ترامب يضع نفسه هنا قائد هذه الحركة التاريخية غير المسبوقة.
كم عربيا سيسره أن يأتي رئيس يتحدث عن خطر البضاعة والمصانع الأجنبية كما فعل ترامب؟ وكم سيلعب على غرائز شعبه إذ أشار للحدود المفتوحة لمهاجرين يأخذون فرص عمل المواطنين، وتحدث عن نظام ضريبي جديد أفضل، وقال إن المطلوب الآن أن "نشتري (بضائع) أميركية، وأن نعيّن عمالا أميركيين"؟
وأخيرا ربما أيضا عندما يشير إلى "الإرهاب الراديكالي الإسلامي"، نتخيل زعيما يتحدث عن "الإرهاب الإمبريالي الغربي".
كثير مما تحدث به ترامب يبدو منطقيا، على الأقل بالنسبة إلى جزء كبير من شعبه. لكن بالنسبة إلى جزء كبير من شعبه أيضاً فإنهم يركزون على أفعاله الشخصية ومواقفه، وعلاقاته الاستثمارية، وتطبيقات أفكاره، من مثل إلغاء نظام الرعاية الصحية الذي أوجده أوباما. وبالنسبة إلى الخارج، فإنّ قيام أكبر دولة في العالم، وأكبر اقتصاد، بتبني سياسات "الحرب الاقتصادية" علانية، هو مصدر قلق، كما أن مهاجمة ما تفاهم عليه البشر منذ نحو العام 1917 (قرب نهاية الحرب العالمية الأولى)، وتطوُّر نظام دولي شبه ليبرالي، من مؤسسات دولية وقواعد لتفادي الحروب التجارية ولنشر حقوق الإنسان (حتى وإن كانت هذه المؤسسات والقواعد ليست فاعلة أو صادقة تماما)، كما يفعل ترامب، مثير للقلق.
سيشهد الأميركيون قريبا نتائج سياسات ترامب، ومدى جديته أو قدرته على تطبيقها، ليكتشفوا هل هي شعبوية زائفة، أم سياسات مدمرة. وإذا كانت مدمرة، فهل هي دمار للأميركيين أم لصالحهم ضد العالم، أم ضد الاثنين معاً.

التعليق