اقتصاد لا محاسبة

تم نشره في الأحد 29 كانون الثاني / يناير 2017. 01:04 صباحاً


بالرغم من الضجة التي اثيرت في الولايات المتحدة والكثير من أرجاء العالم حول القضايا والطروحات التي اشتملت عليها حملة المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترامب ومعارضة الكثير من السياسيين والقوى والأحزاب لما تحمله الشعارات من أخطار إذا ما تحولت إلى سياسات وبرامج، وتأثير ذلك على مكانة الولايات المتحدة وعلاقاتها بالعالم، إلا أنها وجدت قبولا وارتياحا لدى العديد من فئات وشرائح المجتمع الأميركي ممن سئموا الخطاب التقليدي للرؤساء والساسة السابقين وايقنوا أهمية وجود قيادات تحمل أفكارا ورؤى جديدة قادرة على تشخيص الواقع  الاقتصادي السياسي الاجتماعي وتملك الجرأة على إيجاد وتبني الحلول لإخراج الأمة من أزماتها وقيادة الشعب ومؤسساته نحو مستقبل أكثر إشراقا وازدهارا.
دونالد ترامب يمثل الفوج الجديد من القيادات الثورية التي لا تتردد في طرح الأسئلة الصعبة حول الجدوى والفائدة من الاستمرار في تبني السياسات والقيام بالممارسات التي لا تعود على المجتمع بفائدة ولا تخدم مصالح الشعب ولا أهداف الأمة. من هنا شكلت الشخصية غير التقليدية للرئيس الجديد وحرصه على أن يكون واضحا ومباشرا في التشخيص والمعالجة للقضايا المحلية والعالمية موضعا لاهتمام ومتابعة وتحليل المراقبين في الولايات المتحدة ومختلف أرجاء العالم.خلال الأيام الأولى لتسلمه دفة الرئاسة وقع الرئيس الأميريكي الجديد سلسلة من الأوامر الرئاسية التي سيكون لها آثار كبير وعميقة على الاقتصاد الأميركي والعالمي والعلاقات القائمة والمستقبلية بين أميركا وجيرانها والعالم. فقد أوقف العمل باتفاقية التجارة الحرة عبر المحيط الهادئ وأعاد التفاوض حول اتفاقية التجارة الحرة بين دول أميركا الشمالية إضافة إلى الأمر الرئاسي ببناء الجدار الحدودي الفاصل بين المكسيك والولايات المتحدة ومطالبة المكسيك بدفع  تكاليف البناء.
السياسات والإجراءات والبرامج المطروحة تهدف إلى تحقيق الهدف الذي يجد تأييدا شعبيا واسعا في الولايات المتحدة والمتمثل في "أميركا أولا" والعودة بها لتكون عظيمة مرة أخرى. في أميركا التي ما يزال اقتصادها الأقوى عالميا والبطالة في حدودها الدنيا، يتبنى الرئيس سياسات جديدة تهدف إلى تحفيز الإنتاج وحماية الصناعة وسوق العمل والأسواق وترمي إلى خفض العجز في الميزان التجاري مع البلدان المجاورة. وسط ذهول البعض من سرعة الإجراءات وطريقة إخراجها وتتابعها، فقد وجدت ترحيبا محليا لدى الشركات الأميركية وطبقة العمال وبعثت روح التفاؤل في أسواق المال التي سجلت فيها اسعار الأسهم ومستوى التبادل أرقاما قياسية الأسبوع الماضي.
  على الصعيد المحلي ينشغل الشارع الأردني بقضية الموازنة والمساعدات والأسعار. ففي حين لا يتوقع المواطن الأردني حصول اية معجزات تؤدي إلى تحسن وضعه الاقتصادي فإنه يتمنى أن لا ترتفع الأسعار للسلع والخدمات الأساسية بمعدلات تؤثر على قدراته الشرائية ومستوى حياته.
خلال إطلالة رئيس الوزراء الأردني على المواطنين يوم الجمعة الماضي عبر برنامج (ستون دقيقة) تحدث دولته بلغة أقرب إلى لغة المحاسبين منها إلى الاقتصاد؛ فأشار إلى أسعار السلع وكلفة إعفاءات المعالجة وحجم العجز ومحاولات الحكومة ضبط  الأمور المالية من خلال معالجات ضريبية وترشيد في الرواتب والسفر والبدلات وزيادة الأسعار وغيرها.الاقتصاد الأردني يعاني  من مشكلات وتحديات داخلية وخارجية وستزداد المعاناة إذا لم تظهر  في الأفق فرص جديدة  للاستثمار ضمن رؤية شمولية واضحة تتضافر فيها السياسات  والتشريعات والبرامج ضمن معالجة شمولية لأهم مدخلات الإنتاج ومستلزمات تطوير البيئة الاستثمارية. من الصعب الحديث عن الاستثمار دون وجود خطة لسد العجز المائي القائم وتوفير مصادر جديدة وبسرعة أكبر. كما من غير الممكن إهمال قضية الطاقة واستمرار تذبذب أسعارها ولا بد من تطوير التعدين لا سيما أننا تحدثنا عن توفر اليورانيوم بكميات هائلة وباشرنا باستغلال الصخر الزيتي والنحاس وتوقف كل ذلك مرة واحدة.
الإجراءات المحاسبية ضرورية لضبط مالية الدولة ومؤسساتها وهي منوطة بوزراء المالية  ودواوين الرقابة، أما السياسات الاقتصادية فإنها تحتاج إلى رؤى وأفكار خلاقة مرتبطة بمصالح الدولة وشعبها توضع في سياسات وبرامج تخدمها علاقات الدولة الخارجية وتنفذها المؤسسات والقطاعات الحكومية والأهلية. الأردن يحتاج إلى سياسات اقتصادية يفهمها الجميع وتحملها المؤسسات والأجهزة والقطاعات وتوظف كل الإمكانات لإنجاحها من أجل تحقيق نهضة اقتصادية تضع حدا للأزمات وتوقف الاختلالات التي تعيق مسيرتنا.

التعليق