التحليل المستمر للمواقف اعتداء على العفوية

تم نشره في الاثنين 30 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً
  • يجب أن لا نخضع مواقف وأقوال الآخرين تحت التحليل والتعامل معهم ببساطة أحيانا - (أرشيفية)

ربى الرياحي

عمان- يصر على إخضاع كل المواقف التي يتعرض لها للتدقيق والمحاسبة والتعمق الفعلي المؤدي حتما لفهم ما وراء السطور، والغوص أكثر في تلك الأبعاد شبه المنطقية على الأقل بالنسبة له. يحاول باستمرار أن يستسلم لرغبته المتمثلة في كسر حواجز الاعتياد، هاربا من تلك التحليلات التي تهمش الموقف بغض النظر عن قيمته أو حتى عن الأسباب الأخرى التي يجهلها، ويسعى إلى تخمينها بالاستناد لمعاييره النفسية والفكرية التي قد تكون محدودة جدا، تقتصر فقط على سعة الخيال لديه ورؤيته الدقيقة للأمور وعدم الاكتفاء بالظاهر.
كل ذلك لأنه يخشى أن يكون تقليديا في أحكامه، تلك التي تقيده وتجبره على البقاء داخل قوالب جاهزة تسمح فقط بحصر كل المواقف المتشابهة، وتصنيفها وفقا لتحليلات قديمة لا تخرج أبدا عن نطاق ما هو مألوف.
لذا فإن خوفه من معايشة الجمود والتخلي عن سياسته في فهم المواقف المستجدة، يدفعه إلى التجرد من عفويته التي تطالبه بأن لا يتوقف عند تلك التفسيرات المتحاملة ربما على الفرح أحيانا، وعلى مشاعر أخرى حقيقية تحتاج منه أن يأخذها كما هي، بعيدا عن قسوة تحليلاته وقراءاته المتحيزة غالبا لنظرته في تناول الأحداث.
تستدعيه لأن يتصالح ذاتيا مع من حوله، وينتصر على كل التعقيدات الناتجة حتما عن تحليله الدائم للأمور، والذي قد يتعدى في كثير من الأحيان على صدق نوايا الآخر وتلقائيته والتشكيك فيها، بحجة أنه قادر على كشف ما تخفيه الملامح خلفها حتى وإن أتقنت الغموض.
هو في الحقيقة تعنيه كثيرا أن تكون استنتاجاته مقنعة واضحة منضبطة إلى الحد الذي يغيب فيه التسلط، يصر كثيرا على استجواب كل شيء بالرغم من أنه يدعي معرفة الإجابات مسبقا، لا يتردد نهائيا في اغتنام أي فرصة من شأنها أن تنقله من سكون العتمة الذي يكبل تفكيره. وحبه للبحث والتدقيق في كل النقاط المطروحة أمامه إلى مرافئ أكثر اطمئنانا وتوهجا.
يكون فيها محررا من مفردات سطحية بعض الشيء، لا تليق أبدا بثقافته الآنية التي يعمد إلى تقويتها من خلال تمرده على كل الأفكار البالية الجوفاء، واستبدالها بأفكار أخرى مرنة قابلة للتمدد كونه يسعى إلى توسيع دائرة بحثه، والاستغناء تدريجيا عن عفويته باعتبارها تعيقه عن تحليل كل ما يحدث حوله، وترغمه على افتراض النية الحسنة دائما من باب أن الآخر يحرص حتما على مشاعره ولا يجرؤ على خسارته.
لكن ذلك بالنسبة له غير كافٍ ليقرر أن يتراجع أو أن يبعد شبح التحليل عن حياته، ربما لأنه يهتم كثيرا بالتأويل المبطن للمواقف وتحميلها أكثر من حقيقة، اعتقادا منه أنه بذلك يستطيع أن يكون ملما بكل حيثيات الموقف الحاصل ولديه أكثر من سيناريو بإمكانه أن يوضح المقصود رغم أنه أحيانا قد يسيء فهمه.
ويضطر إلى إعادة النظر ثانيةً في تلك التفسيرات التي يتبناها والتي قد تكون خارجة عن سياق ما هو مفروض، بعيدة تماما عن المضامين الداخلية للموقف أياً كان وبتجريده فعليا من تلك البساطة التي يأبى مغادرتها مع قناعة تامة بأن ذلك القرار سيتيح له فرصة الارتقاء بذاته وسيخلق تنوعا ملموسا في قراءاته العميقة والمحفزة أيضا على تناول كافة أوجه الحقيقة التي يريد هو أن يفرضها على الآخر.

التعليق