تحويل مجزرة الفن إلى أعمال خارقة

تم نشره في الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2017. 12:05 صباحاً

في حادثة غريبة من نوعها، أظنُّ أنها تحدث للمرة الأولى في الأردن، هي أن منحوتات كلية الفنون في الجامعة الأردنية قد وُجدت محطَّمةً ملقاةً في مكبِّ النفايات في الجامعة. هذه الحادثة الفريدة، سبقتها إشارات كراهية للفنون، سبقها ويصحبُها حتى الآن خطابُ تحريمٍ وتكفيرٍ لكل من يحتفي بالفنون أو يمارسها. إذ لن نتجاهل المنابر المختلفة من فتاوى رسمية وشعبية ودُور وعظ وإرشاد وفضائيات، ودَوْرها في تحقير الفنّ وإخراجِه من الخُلُق والدين، بحيث انتشرت البشاعة، وصارت لازمةً من لوازم التدين الشعبيّ الجديد.
وقد رأينا قبيل عامٍ كيف أُزيلت منحوتةٌ في مدخل جرش، لتقبع في مخازن البلدية، بعد أن حلَّ الورعُ على المنتَخَبين الجدد. وكذا الأمر في إسكان أبو نصير، حيث رُفع من الشارع الرئيسيّ تمثال حصانٍ بالغ الجمال، بعد أن استهدفه سلفيو المنطقة، ليحلّ محلَّه بناءٌ على شكل قبرٍ عالٍ وعليه آيات كريمة. كما شاهدنا ونشاهد توزيع تعليمات دينية على رُقعٍ غير بديعة المنظر من اليافطات. كل هذا وغيره كان مقدّمةً طبيعيّة لأن يتجرّأ بعض موظفي الجامعة الأردنية على أعمال الطلبة التي كلّفت مالاً وجهوداً، ناهيك عن القيمة المعنوية للمنحوتات، وأهميتها العلمية والتوثيقية لكلية الفنون.
وقد جرى نقاشٌ طويل حول الموضوع على مواقع التواصل الاجتماعي، انتهى بعد الأسف والحزن والذهول، إلى اقتراح من الفنان المعماري الأركيولوجي عمار خماش، بأن يُعيد الطلبة تقييم أعمالهم المحطَّمة، وإعادتها إلى الحياة بعمل وصلات بين قطع الحطام، بحيث تُنتَجُ أعمالٌ فنيةٌ جديدة لا علاقة لها بالقراءة الكلاسيكية لفن النحت. ويدعو الفنان خماش إلى توثيق هذه اللحظة الرهيبة من كراهية الفن، بتحويلها إلى احتفاءٍ بالفنِّ. وفعلاً لا بدّ من الوقوف ضد الأيديولوجيا وثقافة البشاعة التي تحاولُ فرشَها على الواقع، وتعميقَها تحت الجلدِ، جهات مدججةٌ بالأجندات، لاستلاب هويةٍ منفتحة كانَها الأردنُّ وشعبُه.
وبدوري أدعو كلية الفنون في الجامعة الأردنية، وبعد استكمال التحقيقات واتخاذ العقوبات المناسبة، إلى دعوة الطلبة المتخرجين ليعيدوا إلى الحياة منحوتاتهم المحطمة، في ورشة علنية، كأن تكون في حديقة المتحف الوطني في اللويبدة، أو في حدائق الحسين، مع دعوة جميع طلبة الفنون وأساتذتهم في الجامعات الأردنية وجميع الفنانين الأردنيين والضيوف، وذلك لاستبدال الشكوى والبكاء بالعمل الإيجابي.. بالترميم بدل الهدم.. بالجمال محلّ القباحة.
كما أقترحُ أن يُنشَأَ كشك للكتب في الأمكنة التي أحرقَ فيها معلمون وطلبتهم الكتب المدرسيّة، قبل أشهر، مع توثيقٍ كاملٍ للمعركة الدونكيشوتية. وفي كلّ مكانٍ يُغتالُ فيه العلمُ والمعرفةُ والجمالُ والفنُّ والحرية، نقيم فعاليّة تناهضُ الجهلَ والقبح والقمع.
دعونا لا نفقد الأمل...!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تسرع (مواطن)

    الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2017.
    اعتقد أن المقال فيه تجني كالعادة
    كلية الفنون أوضحت كل ما يتعلق بالموضوع