د. جاسم الشمري

جدران "استراتيجية"!

تم نشره في الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2017. 12:03 صباحاً


الدول المثالية هي التي تنظم سياساتها الداخلية والخارجية وفقاً لخطة استراتيجية، قد تكون قصيرة أو متوسطة أو بعيدة الأمد. والسياسات الاستراتيجية لا تُنفَّذ بلمحة بصر، وإنما هي بحاجة إلى قيادة وتخطيط وتنظيم وتمهيد، وربما "تزويق" ودعاية إعلامية، فيما يكون التنفيذ المرحلة الأخيرة. والزمن اللازم للتنفيذ يختلف من استراتيجية إلى أخرى، بحسب أهمية وعمق الغايات المُراد تحقيقها.
التخطيط الاستراتيجي في العراق -كما تقول الحكومة- دخل في الوزارات والدوائر الحكومية والجامعات والمنظمات المدنية؛ فصرنا نسمع باستراتيجيات لمكافحة الفساد والمخدرات والفكر المتطرف، وغيرها الكثير من المسميات التي لا نجد لغالبيتها أثراً واضحاً إلا في بعض المجالات التي تريد الحكومة إنجاحها وتحقيقها.
التخطيط الاستراتيجي، أو المخططات السياسية، صارت تُنفذ اليوم في بعض المدن العراقية بالحجة الهزيلة، وهي مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن، لكن مع الأسف يُراد منها تحقيق أهداف طائفية ومذهبية، وربما حزبية، وذات أبعاد ديموغرافية.
الاستراتيجية الجديدة هي إعادة وضع الكتل "الكونكريتية" أو الجدران الإسمنتية في بعض المناطق لتحقيق غايات بعيدة، من أهمها إحداث تغيير مناطقي وسكاني "ديموغرافي". ونحن لن نتحدث عن الجدران الإسمنتية حول الأماكن الحساسة أو المهمة، ومنها المنطقة الخضراء والوزارات والمقار الحزبية والدبلوماسية خارج هذه المنطقة، وإنما نتحدث عن أماكن يمكن أن نقول عنها إنها عامة، من بينها مدينة سامراء القديمة في محافظة صلاح الدين، التي تبعد 110 كم شمال بغداد.
سامراء كانت مركزاً جامعاً لكل العراقيين؛ سنة وشيعة، ولم تكن تعاني من كارثة الطائفية، حتى جاءت الجريمة المقصودة والمرسومة ضمن استراتيجية خبيثة ودقيقة، ونفذت التفجير بمرقدي الإمامين العسكريين علي الهادي والحسن العسكري في فبراير (شباط) 2006، ما أدخل البلاد في عنف طائفي راح ضحيته المئات من العراقيين الأبرياء خلال أيام معدودة.
هذه الأيام عاد الحديث من جديد عن مدينة سامراء وكأن استراتيجية جديدة يُراد تنفيذها بالمدينة. لهذا سمعنا أن قيادة عمليات سامراء قررت "بناء جدار إسمنتي حول المدينة القديمة التي تضم مرقد الإمامين، بهدف توفير الأمن لزوار المرقدين".
هذه الخطوة الحكومية رُفضت من وجهاء وعلماء المدينة، الذين أكدوا -في بيان عقب اجتماعهم في المدينة- أن "إنشاء الجدار العازل يُعد انتقاصاً من أهالي سامراء ومساً بشخصياتهم"، وأنهم "هم من حموا المراقد الدينية لمئات السنين"، وأن "المنطقة القديمة في سامراء، تمثل القلب النابض لسكان المدينة، ولا يجوز عزلهم عنها بأي شكل من الأشكال، ومنها الجدار".
هذه الخطوات الحكومية ربما تؤكد ما يقال حول استراتيجية إقامة "محافظة سامراء المقدسة"، والتي تضم مناطق "سامراء القديمة، ومرقد الإمام السيد محمد في بلد، والإمام الكاظم في مدينة الكاظمية ببغداد"! ولهذا ربما سنسمع -قريباً- بتمرير قانون إقرار "محافظة سامراء المقدسة" عبر التصويت عليه داخل قبة البرلمان، وبذلك نكون أمام شرعنة  للتغيير الديموغرافي.
السياسات الأمنية الناجحة هي التي تستند إلى جهود استخبارية، وتعتمد على قوات مهنية ومدربة بشكل جيد. ولا يمكن نشر الأمن عبر سياسة الجدران الإسمنتية فقط. لهذا، فإن هذه الخطوات ليست أمنية، وإنما تهدف إلى إحداث تغييرات ديموغرافية، وبالذات في المناطق التي عرفت بأنها "سنية" على مر العصور.
استراتيجية التقطيع المناطقي يمكن أن تنجح إلى حين بسبب القوة التي تمتلكها الأطراف الساعية إلى تنفيذ هذه الاستراتيجيات. لكن لا يمكن لهذه السياسات أن تستمر وتحقق أهدافها البعيدة لأنها صارت واضحة لغالبية العراقيين. وفي الوقت ذاته، فإن هذه الخطوات ستبقى سبباً للتَأَزُّم الاجتماعي بين أبناء المناطق من كلا الطائفتين، وبالمحصلة لا تجد أرضية صالحة لاستمرارها.
أعتقد أن الحكومة تسير في الاتجاه الخاطئ. والأولى بها أن تسعى إلى إيجاد منظومة أمنية وطنية عراقية قادرة على بسط الأمن، والكف عن استخدام أساليب "غير صافية" باتت مفهومة لجميع العراقيين.
هذه الاستراتيجيات المرسومة بدقة كانت –وما تزال- المغذي الأكبر لسياسات الأحزاب الطائفية، وستقود إلى مزيد من الإرباك والشحن الطائفي والمذهبي والتهشيم المجتمعي بين العراقيين. فهل هي استراتيجيات بريئة؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »..لا لعراق..ممزقه (العراق ..حضارتي)

    الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2017.
    بآسفي ما آلت إليه ..عراق الحضارات. .من طائفيه .. وتوجهات دينيه وسياسية
    وهي من غرف من فراتها معنى القوه والتازر
    يا حيف لحكام ..دبحو البقره..لأجل ضرع لو علم أنه سيجف بموتها. .فلن يدر الحليب بعدها فلا هم باليتامي الدين يستحقون معجزة من الرب. .
    ولا زمن المعجزات قد عاد
    دعو البقره في مروجها وإقتسمو ماتجود به ..
    بئس قوم فرقتهم لقمه..وحرضتهم طائفة. .وانتزعتهم من الجدور. .رغبه