حتى تعمل الثقافة والفنون لأجل التقدم والاعتدال

تم نشره في الأربعاء 1 شباط / فبراير 2017. 12:06 صباحاً

"الواقع المتعين يعبر عن فكرة داخلية تشكله أو تمنحه هويته" (هيغل).
لا تعمل المواجهة الثقافية والفكرية مع الكراهية والتطرف تلقائيا. كما إنها، وبطبيعة الحال، يمكن أن تكون أداة فاعلة ومؤثرة في خدمة التخلف والتعصب. فهناك شرطان أساسيان لنجاح المواجهة: أولهما، أن تعكس تفاعل المجتمعات نفسها، بمكوناتها وطبقاتها ومصالحها، وبولايتها على الثقافة والفنون. وبغير ذلك سوف تكون معزولة أو وصائية وتعمل ضد نفسها، بل وتنشئ متوالية من الشرور. والشرط الثاني، أن تعكس إدراكا وشعورا عادلا بالجمال؛ بما هو التمييز بين القبيح  والحسن، وقيمة أساسية وعليا في الحكم على الأفكار والأشياء والاتجاهات والسلع والخدمات والمنتجات المادية وغير المادية.
إلى أي مدى يساهم الفنّ المعاصر القائم اليوم في عالم المسلمين، في تكريس التقدم ومواجهة التطرف والكراهية؟ وأعني بالفنّ تطبيقياً الدراما والسينما والمسرح والرواية والقصة والشعر والكتابة والتأليف والترجمة والنشر وأدب الأطفال والعمارة والفنون والموسيقى والفنون التشكيلية والنحت والتصميم... إلخ.
إن الجمال هو السلوك الفردي والمؤسسي والمجتمعي والاقتصادي القائم على التمييز بين الحسن والسيئ. وعلى هذا الأساس (التمييز بين الحسن والسيئ)، يمكن تقديم ملاحظات ومراجعات حول العمارة وتخطيط المدن وتصميم البيوت والطرق والمرافق والخدمات، وكذلك الشعر والموسيقى والفنون التشكيلية. ونفترض بطبيعة الحال أن العلاقة بين الجمال وبين الكراهية والتطرف عكسية؛ بمعنى أن وجود مستوى جمالي متقدم ومؤثر يؤدي، بالضرورة، إلى انحسار التطرف والكراهية. وفي المقابل، يمكن توقع أن غياب البعد الجمالي أو ضعفه يعني، بالضرورة، زيادة فرص نمو وانتشار الكراهية والتطرف. يقول هيغل: "لقد وضعت الأمم في الفنون أسمى أفكارها". فالفن تعبير عن الروح وحاجاتها، وإعطاء تلك الأفكار الرفيعة تمثيلا حسيا يضعها بين أيدينا. وكثيرا ما يشكل الفن الوسيلة الوحيدة لفهم ديانة شعب من الشعوب، ولذلك فإننا في ملاحظتنا للفنون (بما هي عمارة وشعر وموسيقى وتصميم ورسم...) يمكن أن نقدر بها تقدم أو انحسار الاعتدال والتسامح، ونمو أو انحسار الكراهية والتطرف.
وبما أن الفنون تعبر عن الخيال والحدس والشعور، فهي أيضا مقياس لوعي وأفكار الأمم والأفراد. فالفن يجعل هذا الخيال والعقل الباطن ظاهرين محسوسين، يمكن ملاحظتهما وتقييمهما. ويساعدنا الفن أيضا في جسر أو ملاحظة وقياس الفجوة بين الواقع وبين الأهداف والتطلعات. يقول هيغل: "يستخدم الفن الغنى العظيم لمضمونه ليكمل من جهة أولى تجربتنا بحياتنا الخارجية، وليستحضر من الجهة الثانية، وبصورة عامة المشاعر والعواطف والأهواء، وذلك حين لا تجدنا تجارب الحياة عديمي الحس، وحتى تبقى حساسيتنا منفتحة على كل ما يجري خارج أنفسنا. والحال أن الفن يتوصل إلى ذلك التحريك لأوتار الحساسية، لا بواسطة تجارب واقعية، وإنما بواسطة ظاهرها فحسب، بإحلاله، اعتمادا على ضرب من الوهم، منتجاته محل الواقع، وإمكانية أن يرفعها إلى علوّ كل ما هو نبيل وسام وحقيقي، وأن يحفزنا إلى حد الإلهام والحماسة، كما يستطيع أن يغرقنا في أعمق حسية وفي أخس أهواء، وأن يغمرنا في جو من الشهوانية، وأن يتركنا حيارى مسحوقين إزاء لعب مخيلة منفلتة من عقالها، تزاول نشاطها بلا قيد أو كابح. إن الإنساني غني بالخير والشر، بالأشياء السامية والدنيئة على حد سواء، ولهذا يقدر الفن على أن ينفخ فينا الحماسة والحمية للجمال والسمو، قدرته على الانحطاط بنا وإثارة أعصابنا، بتهييجه الجانب الحسي والشهواني منا... وعلى هذا الأساس يمكن أن يقال إن هدف الفن تلطيف الهمجية بوجه عام. وبالفعل، يشكل هذا التلطيف للطباع لدى شعب، ما يزال يحبو على طريق الحياة المتمدنة، الهدف الرئيس المعزو إلى الفن، وفوق هذا الهدف يقع هدف تهذيب الأخلاق الذي اعتبر لردح طويل من الزمن أسمى الأهداف".

التعليق