الدور الأميركي في العالم: لا مزيد من الأبطال؟

تم نشره في الخميس 2 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً
  • جنديان أميركيان عند موقع انفجار في قنهدهار الأفغانية - (أرشيفية)

آرون ديفيد ميلر * (ريل كلير وورلد) 25/1/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

لأولئك من بين قرائنا الذين يتوقون إلى أمجاد الأعوام الماضية، عندما كانت الولايات المتحدة محل إعجاب، مهيبة الجانب، وتلقى الاحترام بفضل سياستها الخارجية الجسورة -وحتى البطولية- لدي لهؤلاء القراء نصيحة مجانية: استلقوا، وانتظروا بهدوء حتى ينجلي عنكم هذا الإحساس. وقد تنتظرون بعض الوقت قبل أن ينجلي.
من الواضح أن وجهة النظر الانعزالية لدور أميركا في العالم، والتي حددها الرئيس دونالد ترامب في خطاب تنصيبه، تتحدث عن مقت شديد للمخاطرة، مدروس أكثر وخادم للذات —عن انسحاب أميركي أكبر من المسرح العالمي مقارنة مع ما شهدناه في الإدارات السابقة.
والسؤال الرئيسي هو ما إذا كانت فلسفة النظر إلى الداخل —التي ترتدي لقب "أميركا أولاً"— ستكون إحدى مهمات أعوام ترامب في الرئاسة. وإذا كانت تمثل شيئا أكثر ديمومة، فإن ذلك سيشكل عملية إعادة تعديل كبيرة، والتي تجري في وجه عالم أكثر تعقيدا بكثير، والذي لا يكون مناسبا جيدا بشكل خاص للتفوق الأميركي التقليدي.
هل سيستمر ترامب في أن يكون ترامب؟
لأنني كنت مخطئا في كل وقائع ظاهرة ترامب منذ البداية، فإنني أشعر بالتردد في تقديم جواب حاسم على هذا السؤال.
ولكن، إذا تبين أن تصريحاته على مدار الأشهر الثماني عشرة الماضية كانت أكثر من مجرد تعبير عن ميول، وتطورت إلى سياسات حقيقية، فسوف نتعامل عندئذ مع رئيس ليس مهتما كثيرا حقا بالحفاظ على وهم أن الولايات المتحدة قوة لا يمكن الاستغناء عنها.
لن يكون تجنب المخاطرة هذا جديدا بطبيعة الحال. وكان جزءا من المقدمات قد أرسي في نهج إدارة أوباما تجاه عدد كبير من القضايا. لكن نظرة أوباما إلى العالم كانت قد تشكلت أيضاً بجرعة كبيرة من النزعة الأممية وبمقاربة متعددة الأطراف لعدد من القضايا العالمية.
ما يبدو أن شعار ترامب "أميركا أولاً" يعبر عنه، هو قومية ذكورية تعرض الصلابة في قضايا انتقائية -وخاصة في موضوع "داعش"- لكنها تكون مفرطة في تجنب المخاطرة عندما يأتي الأمر إلى العديد من القضايا الأخرى.
في التعامل مع الحلفاء والأعداء، يبدو أن ترامب يستخدم مقياس "رسم في مقابل الخدمة" ليرشد تعامله مع بعضهم، ونوعاً من "دعه يعمل" في التعامل مع آخرين. وفي الحقيقة، على العكس من سلفه، يبدو ترامب في الوقت الحالي على الأقل غير مهتم بحقوق الإنسان في مصر، أو توسع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية. وربما نستطيع توقع موقف أكثر صلابة رداً على نشاطات إيران في المنطقة، لكن من غير الأكيد بأي طريقة من الطرق أن تصريحات ترامب خلال الحملة الانتخابية عن إبطال الاتفاقية النووية الإيرانية سوف تتبعه إلى البيت الأبيض. كما لا يجب علينا أن نتوقع موقفا متشددا مما يفعله النظامان السوري والإيراني لقمع شعبيهما في الوطن.
يبدو أن النقطة المركزية الخاصة بترتيبات أصدقاء أميركا وأعدائها هي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي ينظر إليه على أنه شريك مفترض في قضايا رئيسية. وفي مقابل تعاون أوثق في محاربة "داعش" والإرهاب الجهادي، يبدو ترامب راغبا في السماح لبوتين بوضع الأجندة السياسية في سورية، وربما في أوكرانيا أيضا. وفي الحقيقة، يبدو أن الجزر سيكون هو الوسيلة لتغذية هذه الشراكة المستقبلية. ومن شأن ذلك أن يجعل شركاء الولايات المتحدة الأوروبيين متوترين. ومع ذلك، فإنه يبقى منسجما جدا مع فكرة ترامب التي تقول بأن العديدين من حلفاء أميركا في حلف الناتو يعيشون عالة على غيرهم، ويجب الضغط عليهم لعمل المزيد على صعيد الدفاع. ومن جهة أخرى، تذهب العصي للصين —انظر إلى تشكيك ترامب في قيمة سياسة صين واحدة. ويريد ترامب الحصول على وسائل النفوذ لجعل بكين أكثر طواعية بخصوص التجارة وقضايا العملة وبحر الصين الجنوبي.
عالم فوضوي بطريقة أو بأخرى
حتى لو أعادت الوقائع توجيه ميوله في السياسة الخارجية، فإن ترامب سيواجه عالماً معقداً وغير متعاون في الجزء الضخم منه، مع قلة من الحلفاء الموثوقين والعديد من الأعداء العازمين.
يريد ترامب "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى" في الوطن وفي الخارج. ولكن، متى -حسب وجهة نظر ترامب العالمية- كانت أميركا عظيمة آخر مرة؟
إذا كان ذلك في فترة ما بعد الحرب، فسيكون ترامب عندها غير محظوظ. فقد كانت الحرب العالمية الثانية هي الأخيرة التي تركت أميركا أقوى محلياً وفي الخارج. وكانت تحالفات ومؤسسات ما بعد الحرب، التي يهاجمها ترامب الآن، مصدر قوة ونفوذ لأميركا، كما أنها سمحت للولايات المتحدة بتشكيل سياسة اقتصادية عالمية وبإعادة بناء أوروبا واليابان اللذين مزقتهما الحرب. ولأنهم لعبوا الدور المركزي في تشكيل النظام الدولي الجديد، فقد كانت للرؤساء الأميركيين من كلا الحزبين السياسيين مصلحة في حمايته وتغذيته. وقد قدمت ستة عقود من الحرب الباردة مبدأ تنظيميا وإحساسا بالمهمة التي أدامت الإجماع الحزبي.
لقد ذهب كل ذلك الآن -ولم يعد العالم ثنائي الأقطاب ولا أحادي القطب. ومن المحتمل أن تظل الولايات المتحدة الأمة الأقوى في النظام الدولي، والتي تتمتع بميزان أفضل بالقوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والناعمة مقارنة مع أي أمة أخرى.
لكن آخرين، بما فيهم روسيا، يعملون بشكل غير مثير للاستغراب على توسيع وتعزيز نفوذهم الخاص بطرق لا تبدو معها أميركا ولا حلفاؤها مستعدين لتحديها. وفي الغضون، يعيش الشرق الأوسط حالة من الفوضى وسيظل مفتوحا للاستغلال من جانب قوى خارجية. وستظل تلك المنطقة مصدرا لزعزعة الاستقرار والتقسيم والإرهاب لسنوات طويلة قادمة. كما أن أوروبا اليوم مقسمة ومكشوفة أمام جهود موسكو لإبقائها بهذه الطريقة.
وهنا في الوطن، وعلى نحو مفهوم تماماً، يبدو الجمهور والكونغرس الأميركيان راضيين بقبول نهج أكثر انعزالية. وفي أعقاب أفغانستان والعراق -الحربين الأطول زمناً في التاريخ الأميركي واللتين ما تزالان متواصلتين- هناك بالتأكيد القليل من الشهية والإرادة السياسية للقيام بمغامرات عسكرية في أوروبا أو في الشرق الأوسط.. وفي الحقيقة، يستطيع المرء أن يتخيل فقط أنه لو كان هناك تعبئة عسكرية وليس جيشاً متطوعاً، لكان الدور الأميركي في هذه الصراعات قد انتهى قبل وقت طويل. وكان نهج إدارة بوش المستعد للمخاطرة ومحاولة استخدام حرب العراق لتحويل الشرق الأوسط في أعقاب هجمات 11/9 قد أرسى الأسس لإعادة التخندق وتجنب المخاطرة للإدارة التالية، على النحو الذي شاهدناه في ظل إدارة أوباما. ومن المرجح أن العراق سوف يلقي ظلا طويلاً على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، والذي يمتد لوقت طويل قادم، بحيث يُبعد الإدارات المستقبلية عن نشر قوات عسكرية على نطاق واسع لاستهداف الشؤون الداخلية لدول أخرى.
نهاية السياسة الخارجية الأميركية البطولية؟
من غير المرجح أن يكون الحذر الجديد في السياسة الخارجية الأميركية عابراً؛ وقد يكون مدفوعاً في جزء منه بفعل التغيرات التي تطرأ على المسرح الدولي. وبالنظر وراء إلى العقود الثلاثة الماضية، سيكون من الصعب العثور عمل حرب أو صنع سلام واحد انخرطت فيه الولايات المتحدة بشكل مركزي، والذي يمكن اعتباره مؤثراً حقاً، أو دائماً، أو تحويلياً.
ربما يكون الأمر أن قوة الولايات المتحدة ببساطة لا تتناسب تماماً مع العالم الوحشي الذي نعيش فيه حالياً؛ وأنه بدلاً من التوصل إلى حلول للمشكلات، قد يترتب علينا اختيار إدارة وإنتاج المحصلات، وليس الأوضاع النهاية، والتي من المؤمل أن تكون مفضلة أكثر للولايات المتحدة.
في حقيقة الأمر، سواء كان الأمر يتعلق بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، أو بمساعي إيران إلى أن تصبح دولة على عتبة إنتاج الأسلحة النووية، أو مستقبل سورية والعراق وليبيا أو اليمن أو هزيمة "داعش"، ليس هناك في كل هذه الحالات حلول شاملة ببساطة، والتي يمكن أن تتوسط فيها الولايات المتحدة في أي وقت قريب. لقد استغرق الأمر قوات الحلفاء ستة أعوام لإلحاق الهزيمة بدول المحور. ونحن الآن على بعد أكثر من 15 عاماً من هجمات 11/9، ولا يبدو بعد أن إلحاق الهزيمة بالإرهاب الجهادي أسهل بأي مقدار. ولتدمير "داعش" بالطريقة التي دمر بها الحلفاء النازيين، فإن الأمر يتطلب خلق شرق أوسط جديد يتعامل مع المظالم والمآسي التي يتغذى عليها تنظيم "داعش".
ولا يتعلق الأمر بالشرق الأوسط فقط. ففي كوريا الشمالية، يسعى كيم يونغ إيل إلى الحصول على أسلحة نووية، وهناك القليل من الخيارات لوقفه. وعلى الرغم من رغبة ترامب في تحقيق انفراج مع موسكو، فإن تصادم المصالح الأميركية والروسية، وحاجة موسكو إلى استخدام واشنطن كغول مخيف في الوطن، سيضمن أن تظل العلاقة مع الروس تنافسية بحدة، حتى لو كانت هناك حالات من التعاون. وستكون ثمة منافسة مع الصين، والتي يرجح أن تكون حول تايوان والتجارة وبحر الصين الجنوبي.
يكمن المفتاح في إدارة هذه العلاقات وفي التعاون حيث يكون ذلك ممكناً، وفي حالات العدوان: الاحتواء والتصدي. ولن تكون هناك أي انتصارات نهائية أو حاسمة على القوى العظمى التي تعارض ما نريد تحقيقه في العالم. وينطبق الشيء نفسه على اللاعبين الأصغر، الذين سيضربون على هواهم أو يتحولون إلى قوى أكبر إذا كانت الولايات المتحدة تلعب دوراً أقل تأكيداً للذات.
إن ترامب يحب أن يكسب. وقد أكد لنا كلنا خلال الحملة الانتخابية أنه سيكون هناك الكثير جداً من الكسب إلى درجة أننا سنسأم منه. والفكرة متجذرة في الإحساس الأميركي بالقدرة على الفعل، المحفور عميقاً في الوجدان. ونحن نريد كسب الحرب على المخدرات والمرض العقلي والفقر والسرطان –والإرهاب بطبيعة الحال. لكننا لن نكسب على الأرجح هذه الحروب في المستقبل المنظور.
سوف تبقى هذه في أغلبها تحديات محلية من دون حلول. أما خارج حدودنا الخاصة، فمن الصعب رؤية قدر كبير من الكسب في الفترة المقبلة. ربما يفاجئنا الرئيس ترامب، وبالتالي يفاجئ العالم. ولكن، وبغض النظر عما يحدث، فإن من غير المرجح أن يذهب الرئيس باحثا عن مغامرات جديدة في السياسة الخارجية. ومن الممكن أن يسفر ذلك عن سياسة خارجية تشبه كثيراً تلك التي انتهجها سلفه، والتي من المرجح أن تدوم في عالم مليء بالمشاكل غير القابلة للحل.
ربما يكون العثور على حلول تقريبية للمشاكل العصية على الحل، كما اقترح رينهولد نايبر، هو أفضل شيء تستطيع الولايات المتحدة أن تأمله محلياً وخارجياً. وإذا استطعنا حتى مجرد إدارة ذلك في السياسة الخارجية، فإننا سنكون متقدمين جيداً في اللعبة. وباختصار، عندما يتعلق الأمر بتغيير العالم، فإن عليك أن تبقي قدمك على الأرض ورأسك فوق السحاب. أما إذا كنت تبحث عن نهايات هوليوود المصنعة أميركياً في السياسة الخارجية، فإنني أقترح عليك أن تذهب إلى دور العرض السينمائي.

*نائب رئيس مركز ودرو ويلسون، عمل مفاوضا في الشرق الأوسط، ومحللا ومستشارا لإدارات جمهورية وديمقراطية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The U.S Role in the World: No More Heroes

التعليق