موفق ملكاوي

كينيدي أوديدي: صناعة الحياة

تم نشره في الخميس 2 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً

ليس من السهل إيجاد سيرة حياة شبيهة بتلك التي اختطها الشاب الكيني كينيدي أوديدي، وهو الذي وقف مرات عديدة في مواجهة الضياع والموت، قبل أن يشق طريقه بثبات وإصرار، ويغير حياة مجتمع بأكمله.
كتاب Find Me Unafraid، الذي قدم له الصحفي الأميركي الشهير والحائز على جائزتي بوليتزر، نيوكولاس كريستوف، يروي بأسلوب أدبي شيق، قصة أوديدي والأميركية جيسيكا بوزنر، اللذين قادت الصدفة لقاءهما، في واحد من أكبر الأحياء العشوائية في العاصمة نيروبي، وهو حي “كيبيرا” الذي يقطنه زهاء مليون شخص.
قبل هذا اللقاء، كان أوديدي يصارع من أجل البقاء؛ فقد نشأ ولم يعرف والده قط، وحين أرادت والدته الزواج، بقي في عهدة جدته التي لم تلبث أن ماتت، لينضم إلى أمه من جديد، وليختبر حينها صنوف الذل والهوان والعنف على يد زوج والدته، وهو الذي كان يعتقد أنه والده الحقيقي.
لا يمكن لكتابة عجولة أن تنجح في نقل حجم الألم والمعاناة التي اختبرها كينيدي في مشوار حياته، قبل أن يصبح بطلا في مجتمعه، و”عمدة كيبيرا”، وقبل أن تعترف به أهم مؤسسات العالم كواحد من المؤثرين جدا في مجتمعاتهم.
تسير القصة في خطين متوازيين؛ الأول يأتي على لسان كينيدي، وفيه يروي قصة حياته مبتدئا من طفولته الأولى وصولا إلى الوقت الحاضر، أما الثاني، فيأتي على لسان جيسيكا، وتستعرض فيه زيارتها إلى كينيا للمرة الأولى، كمتطلب لدراستها الجامعية، ولقاءها مع أوديدي، وتعرفها على “شوفكو”، المؤسسة التي أنشأها أوديدي وهو في العشرين من عمره، من أجل حماية النساء وتثقيفهن وتمكينهن، ومواجهة العنف الممارس عليهن، بما فيه حالات الاغتصاب المنتشرة بكثرة.
في حي “كيبيرا”، والذي يتشكل سكانه من الهاربين من جحيم القرى والأرياف ومن غول المدينة المجاورة، لا مكان للفقراء على مقاعد الدراسة، لذلك يعمد الطفل الصغير إلى تعليم نفسه عن طريق الدراسة مع الأطفال الذين يتسنى لهم الذهاب للمدرسة. ولكن ذلك لا يدوم طويلا، إذ وقبل أن يبلغ العاشرة من عمره، يضطر إلى مغادرة البيت هربا من بطش زوج أمه، ليختبر حياة التشرد والعصابات والسرقة، مؤملا نفسه أن ينتهي كل ذلك سريعا.
في بحثه عن التعليم، يلتجئ إلى أحدهم، والذي يتعرض على يديه إلى اعتداءات جنسية متكررة، مقرونة بتهديدات دائمة من مغبة إخبار أحد.
لكن كرة قدم، جعلته يضع في تفكيره أن تجميع الناس، حتى على كرة صغيرة، كفيل بجرهم نحو هدف واحد، والتأسيس لنواة تفكير جمعي، ينطلقون منه في التوسع نحو التفكير في المجتمع واحتياجاته.
من هذه الفكرة البسيطة، انطلق اوديدي في التأسيس لعشرات البرامج الخدمية الدائمة لمجتمعه الفقير، مبتدئا بالفريق الكروي، ثم فرق الدعم للنساء، ومدرسة البنات، والعيادة، وغيرها. وبمساعدة جيسيكا، التي انضمت لاحقا إلى المؤسسة، استطاع الحصول على الكثير من المنح والجوائز الدولية ما مكنه من إدامة تلك البرامج، والأهم أنه استطاع رفع الوعي المجتمعي بأهمية تعليم الفتيات، والرعاية الصحية، ما يجعله واحدا من الأبطال الشعبيين الذين أثروا عميقا في مجتمعاتهم.
اليوم، يعيش كينيدي مع زوجته جيسيكا في نيروبي، وهما مخلصان لمجتمع “كيبيرا”، وللبرامج التي يديرانها لخدمة للمجتمع.
إن نجاح هذه التجربة، يطرح علينا سؤالا مهما عن فوضى المبادرات التي تتولد بشكل شبه يومي في بلدنا، وعن مدى جديتها أو مواءمتها للاحتياجات الحقيقية للمجتمع، أو استهدافها للفئات المحتاجة.
تجربة هذا الثنائي من الممكن أن تنير لنا الطريق عن كيفية العمل التطوعي الحقيقي، وعن الصدق مع النفس والمجتمع، لكي نستطيع أن نؤثر بشكل فاعل في مجتمعاتنا.

التعليق