هل يتمكن ترامب من ترويض كوريا الشمالية؟

تم نشره في السبت 4 شباط / فبراير 2017. 12:00 صباحاً

كريستوفر هيل*

دنفر - واجهت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مثلها كمثل العديد من الإدارات السابقة، بداية صعبة؛ ولكن التحديات الأكثر وعورة لم تأت بعد. ومن بين هذه التحديات مسألة كوريا الشمالية، التي أعلن زعيمها كيم جونج أون في خطابه في رأس السنة الجديدة أن بلاده انتهت من بناء -وتستعد لاختبار- صاروخ باليستي عابر للقارات قادر على حمل رؤوس نووية.
وقد سارَع ترامب، الذي كان رئيساً منتخباً آنذاك، إلى الرد على موقع تويتر: "لن يحدث ذلك!" ولا يملك المرء إلا أن يتخيل كيف فسرت حكومة كوريا الشمالية هذا التصريح. ربما كان غرض ترامب إطلاق تهديد ورسم خط أحمر رسمي من خلال وسيلة التواصل المفضلة لديه؛ ولعل تصريحه كان مجرد تنبؤ أو رهان ضد قدرات كوريا الشمالية التقنية. أو ربما كان يريد أن يدفع الجميع إلى الترقب والتخمين حول رده المحتمل.
أياً كانت دوافعه، فقد ورث ترامب الآن مشكلة كوريا الشمالية الأبدية -الأزمة العالمية التي تعاود الظهور دائماً والتي كانت على قائمة أولويات السياسة الخارجية لكل رئيس أميركي منذ ثمانينيات القرن العشرين. ولكن التهديد حقيقي هذه المرة: فخلال ولاية ترامب، ربما تحصل كوريا الشمالية على الوسيلة لضرب الولايات المتحدة بسلاح الدمار الشامل.
ولكن، يبدو أن حكومة كوريا الشمالية ليست مهتمة كثيراً باختبار الرئيس الأميركي الجديد بقدر اهتمامها باختبار الأسلحة النووية والصواريخ. ومع تقدم برنامج الأسلحة ببطء، لم تبذل كوريا الشمالية جهداً كبيراً لإخفاء إخفاقاتها الدورية، على نحو يشكل خروجاً عن الممارسات السابقة. والواقع أن التكهنات بشأن دوافع كوريا الشمالية لامتلاك الأسلحة النووية قديمة قِدم محاولات امتلاكها. ولكن، في حين قد يكون من المفيد أن نتعرف على هدف كوريا الشمالية الحقيقي -من بين التفسيرات الأكثر شيوعا بقاء النظام، والهيبة العالمية، والدفاع عن الذات- فإن هذا لا يهم حقاً في نهاية المطاف.
لا توجد خيارات جيدة لمعالجة هذه المشكلة؛ ومع ذلك، لا يجوز لترامب أن يتجاهلها ببساطة أو يحيلها إلى الصين، كما اقترح خلال حملته الانتخابية. إذ أن أي استراتيجية فعّالة تتطلب توظيف كل أشكال القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة، وخاصة الدبلوماسية والتعاون مع الصين.
وإلى جانب كوريا الشمالية، ورث ترامب أيضاً تحديات صعبة في أماكن أخرى من شرق آسيا. فقد دأبت الصين على اتخاذ موقف متشدد بشأن مطالباتها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، وهذا يعني أن الولايات المتحدة لابد أن تظل يقظة لضمان القدرة على الوصول إلى الممرات الملاحية الحيوية في المنطقة. ومن ناحية أخرى، كانت كوريا الجنوبية غارقة في فضيحة الفساد التي بلغت ذروتها بإقالة رئيستها باك جون هي. وربما تُعقَد انتخابات رئاسية في أيار (مايو)، ولكن الأمر لا يخلو من الشكوك في المستقبل. وعلى الرغم من تحسن العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية في السنوات الأخيرة، فإن هذا قد يتغير مع تطور الوضع السياسي في كوريا الجنوبية.
من جهة ترامب، ينبغي لأي استراتيجية تسعى إلى القضاء على برنامج كوريا الشمالية النووي على هذه الخلفية المعقدة أن تتضمن بعض العناصر الواضحة والحاسمة. فبادئ ذي بدء، يتعين على الولايات المتحدة أن تحرص على صيانة العلاقات القوية مع حليفيها في المنطقة -اليابان وكوريا الجنوبية. وسوف يكون لزاماً على الإدارة الجديدة أن تتحلى بالذكاء في ملاحقة أهداف أخرى، مثل التجارة والتعاون العسكري، مع هذين الحليفين. وكل منهما يميل إلى الحساسية الشديدة إزاء التغيرات في الرأي العام، ويتعين على الولايات المتحدة أن تحرص على عدم إثارة المظالم حول قضايا ثانوية، وخاصة خلال ما قد يكون عاماً مضطرباً في كوريا الجنوبية.
بطبيعة الحال، تتضاءل صعوبة التعامل مع هذين الحليفين مقارنة بإدارة العلاقة مع الصين. فمن منظور الصين، لا يجوز اختزال مشكلة كوريا الشمالية في المخاوف بشأن احتمالات انهيار النظام والموجة التي قد تنتج عن ذلك من اللاجئين. وتتباين آراء المسؤولين الصينيين بشأن كوريا الشمالية، فهي ليست جميعها محابية؛ ولكن من بين الآراء المهمة أن زوال كوريا الشمالية ربما يؤثر على مصالح صينية جوهرية، إذا تبين أن التغيرات الطارئة على شبه الجزيرة الكورية -مثل ظهور كوريا الجنوبية باعتبارها دولة خليفة- تضع الصين في موقف غير موات في مواجهة الولايات المتحدة.
بعد الانتخابات الأميركية، بدا الأمر وكأن ترامب ومستشاريه خلصوا إلى أن أفضل وسيلة لإضعاف موقف الصين الاستراتيجي يتلخص في إخضاع كل الاتفاقيات السابقة، بما في ذلك سياسة "الصين الواحدة"، إلى إعادة النظر. ويرجع الأساس الفكري لهذا النهج إلى تصور مفاده أن الصين سوف تقدم التنازلات في نهاية المطاف لاستعادة وضعها الثمين بوصفها الحكومة الصينية الوحيدة التي تعترف بها الولايات المتحدة.
لكن بوسعنا أن نستعير هنا تعبير ترامب: "لن يحدث ذلك". فالصين ليست مقاولاً من الباطن في مشروع بناء، وهي تملك من الوسائل الموجودة تحت تصرفها ما يمكنها من ممارسة الضغوط على الإدارة الأميركية الجديدة. لن تُفضي إثارة قضايا تم حلها منذ فترة  طويلة إلى التعاون الثنائي، بل لن يؤدي هذا إلا إلى تفاقم حالة انعدام الثقة الاستراتيجية المتنامية بين الصين والولايات المتحدة.
يدور الحكم بشكل أساسي حول تحديد الأولويات، ومن الواضح أن السياسة الخارجية الأميركية في التعامل مع الصين سعت لفترة طويلة إلى تحقيق مجموعة واسعة من الأهداف، من دون التوقف والتساؤل حول ما إذا كانت بعض هذه الأهداف أكثر أهمية من غيرها. وعلى سبيل المثال، هل يكون تقديم الصين تنازلات تجارية كبيرة أكثر تعزيزاً لمصالح الولايات المتحدة من إبطال التهديد الذي تفرضه كوريا الشمالية؟
يتعين على إدارة ترامب الآن أن تسارع إلى إجراء تقييم واضح ودقيق لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وترتيب أولويات السياسة وفقاً لذلك. ولا يملك المرء إلا أن يأمل في أن تركز هذه الأولويات على التهديد النووي الكوري الشمالي، وهو تهديد حقيقي للغاية -وربما يصبح تهديداً شديد الخطورة في وقت أقرب من كل التوقعات.
*مساعد وزير الخارجية الأميركية الأسبق لشؤون آسيا. كان سفيراً للولايات المتحدة في العراق وكوريا الجنوبية ومقدونيا وبولندا، ومبعوثاً خاصاً إلى كوسوفو، ومفاوضاً في اتفاقيات دايتون للسلام، وكبير مفاوضي الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية أثناء الفترة 2005-2009. وهو يشغل حالياً منصب عميد كلية كوربل للدراسات الدولية في جامعة دنفر.
*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق