رئيس "أميركا أولاً" هو أقل الرؤساء أميركية

تم نشره في الاثنين 6 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً
  • الرئيس ترامب يرتدي قبعة مع شعار "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى" - (أرشيفية)

جوناثان أولتر - (ديلي بيست) 31/1/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

لعل الأمر الأكثر إدهاشاً في أيام الرئيس ترامب العشرة الأولى في البيت الأبيض، هو أن القومي المتحمس الذي تعهد بوضع "أميركا أولاً" يظهر باعتباره الرئيس الأقل أميركية للولايات المتحدة.
وأعني بقولي، الأقل أميركية، الأقل اتصالاً بالقيم الديمقراطية الأكبر التي تميز البلد.
إن هويتنا القومية فريدة في العالم، لأنها لا تستند إلى العرق أو الدين أو بلد المنشأ، وإنما إلى المثُل التي تتسامى على الفئات.
تتناقض هذه المثل مع رئيس يكذب بشكل مشوش، ويزعزع استقرار الحكم بانتهاج سياسات متهورة تمييزية وغير إنسانية مدعومة بتصريحات متنافرة، ولا يسمح لبيته الأبيض بالاعتذار أو الاعتراف بالخطأ تحت أي ظرف. وهذه هي العلامات التي تدل على دكتاتور أجنبي، وليس على زعيم أميركي.
كان معلم ترامب في نيويورك الثمانينيات من القرن الماضي هو روي كوهن، الذي ساعد السناتور جو مكارثي في تعريف الليبراليين الذين يمكن تعريفهم بأنهم "غير أميركيين". والآن، دارت العجلة وأصبح داعمو إجراء الاختبارت الدينية غير الدستورية هم الأشخاص الذين أصبحت وطنيتهم موضع تساؤل.
ولا يقتصر الأمر على أن تحركات ترامب المبكرة تشكل صدمة للنظام. إنها تعكس افتقاراً قاتلاً للاهتمام بأصول أو طبيعة الديمقراطية التي يقودها الآن. ومن الواضح أن الرئيس لم يقرأ عن الآباء المؤسسين أبداً (فهو لا يقرأ الكتب)، ولم يحضر احتفالاً لمنح الجنسية، أو يظهر للإعراب عن عن تقديره للقيم التي أدى القسم الدستوري للدفاع عنها.ليس جوهر ما يعنيه أن تكون أميركياً سراً بالضبط. إننا محظوظون بما يكفي لتكون لدينا وثائق تأسيسية عبقرية في إعلان الاستقلال وفي الدستور الأميركي، وفي الرموز الملهمة مثل تمثال الحرية، والتي تعرِّف العقيدة الأميركية. وكان كل الرؤساء الحديثون في كلا الحزبين قد استخدموا استهلال عملهم في البيت الأبيض للمزيد من الإفصاح عن مبادئ ديننا المدني.
لكن ترامب رفض الحذو حذوهم في خطاب تنصيبه. وأظهر في الأسبوع الأول له في المنصب ازدراء للأسس الأخلاقية لذلك الإيمان العلماني العام، وتحديداً احترام الحقيقة. والأمر الذي يميز الديمقراطيات عن الدكتاتوريات (الشيوعية أو غير ذلك) هو أن الديمقراطيات لا تعيش في ظل حكم القانون وحسب، وإنما أيضاً في ظل سلسلة من الأعراف والحدود المقبولة شعبياً، والتي تقدم وسائد إضافية للمساءلة.
سوف تتلاشى تفاصيل ما يفعله ترامب من الذاكرة، لكن الانطباع بأنه يقتحم دائماً تلك الحدود لن يتلاشى. وقد ملأ الآلاف من المحتجين المطارات في عطلة نهاية الأسبوع، ليس فقط لأنهم أنفوا من ترامب وكانوا قلقين على الزوار المعتقلين من عدة دول إسلامية رئيسية. إنهم يفهمون أن ترك هذا السلوك دون ضبط يشكل خطراً على الديمقراطية.
تجدر العودة إلى المبادئ الأولية. فقد قدم إعلان المبادئ "احتراماً لائقاً لآراء الناس"، وتصور الأمة الجديدة كمنارة حرية للعالم -وليس بلداً ينخرط دولياً حتى يتمكن من زيادة "المكاسب" فقط على غرار أسلوب ترامب. وكان واضع الدستور، ثوماس جيفرسون، قد صاغ أيضاً القانون لتأسيس حرية الدين في فرجينيا، والذي تم تبنيه لاحقاً في التعديل الأول وأصبح مصدراً للفخر الكبير عند جفرسون أكثر من كونه رئيساً.
كان المؤسسون قد ذهبوا إلى ما وراء فصل غامض بين الكنيسة والدولة. فقد حظروا على وجه التحديد على الحكومة تفضيل دين على آخر، كما فعل ترامب عندما أعطى اللاجئين المسيحيين أفضلية على المسلمين. ويتجلى وضوح هذا الانتقاد لدى المحكمة العليا الأميركية، حتى مع تعيين ترامب لقاض في مكان انطونيا سكاليا، التي ستؤيد على الأغلب بالتأكيد قرار المحكمة الأقل درجة لنزع قانونية الأمر التنفيذي غير الدستوري للرئيس.
كان جيفرسون قد قال ذات مرة إنه لو ترتب عليه الاختيار بين حكومة من دون صحف أو صحف من دون حكومة، لاختار الأخيرة. وعلى النقيض من ذلك، أمضى ترامب قسطاً وافراً من أسبوعه الأول في بث السم والأكاذيب على وسائل الإعلام. ونسي (إذا كان قد عرف في المقام الأول) أن الصحافة هي المؤسسة غير الحكومية الوحيدة التي حماها الدستور صراحة وعلناً. ولا يوجد ذلك لأي صناعة أخرى -ولا حتى العقارات.
يقول ترامب إنه يحب أبراهام لينكولن، الذي لا يبدو أن استقامته وتواضعه تركا أي انطباع فيه. فقد بدأ الكذب في اليوم الأول (عن حجم الحشد في حفل تنصيبه)، وحافظ على رفع هذا الخط في كل يوم تقريباً. وكان أبشع ما يكون عندما أكد زيفاً أن ثمة 3 ملايين شخص صوتوا بشكل غير قانوني ضده، من دون وجود صوت واحد غير قانوني في طابور ترامب.كل الرؤساء يتبجحون ويكذبون، لكن الغرابة في أنانية ترامب وكذبه هي "أميركية" فقط إذا كان المرء يعني بذلك أميركا الجنوبية، حيث قام الحكام المقامرون على مر السنين بتنميط السلوك على غرار جمهوريات الموز خاصتنا.
في التحضير لخطاب تنصيبه الفج، لم يظهر ترامب –على عكس معظم كل أسلافه من الرؤساء- أي امارات حتى على قراءة سطحية لخطابي تنصيب لينكولن. وكان لينكولن قد دعا الأميركيين في خطابه الأول إلى الاستجابة لـ"الملائكة الأفضل في طبيعتنا"-فكرة أميركية بعمق، لكنها غريبة تماماً على ترامب وقبوله لدى أكثر غرائزنا أساسية.
وفي خطابه التنصيبي الثاني المنتقى بعناية، والذي ألقاه عند انتهاء الحرب الأهلية، تحدث لينكولين عن مساعدة الأرامل والأيتام من كلا الجانبين، وقال قولته الشهيرة: "مع الإحسان للجميع؛ وبلا حقد على أحد".
ولا يقدم ترامب، الذي يقدم القليل من المال وليس له تاريخ بالانخراط في الشؤون المدنية، الإحسان لأي أحد، بينما يحقد على الجميع باسثناء فلاديمير بوتين والمتملقين والحلفاء المؤقتين الذين يكيل لهم المديح غير المخلص قبل أن ينقلبوا عليه.
قد يكون ابتعاد ترامب الأكثر إقلاقاً عن التقاليد الأميركية (أو التطلعات على الأقل) أو العاطفة، هو أمره التنفيذي القاضي بمنع استقبال اللاجئين الهاربين من الحرب. ويقف خفضه العدد الضئيل أصلاً عند 10.000 سنوياً إلى صفر، ليذكر بما فعله الكونغرس مع اليهود الهاربين من هتلر قبل الحرب العالمية الثانية. وكما لو أنه أضيف إلى كلمات إيما لازاروس على قاعدة تمثال الحرية ("أعطني جماهيرك المتعبة والفقيرة والمحتشدة والمتطلعة إلى تنسم الحرية") سطر يقول "باستثناء السوريين المسلمين".
بعد أن ناقض لينكولن وخان معنى تمثال الحرية، انتقل ترامب إلى تلطيخ إرث روزفيلت. ويمتلئ مجلسه الوزاري بالرجال الذين وصفهم ثيودور أنهم "أشرار الثروات الكبيرة"، واعتبرهم فرانكلين "الملكيين الاقتصاديين". وكان تواجدهم في واشنطن، ناهيك عن ذكر تواجد ترامب، ليصدم روزفيلت عند منع الحكومة من أداء وظيفتها الديمقراطية الحساسة المتمثلة في ضبط تجاوزات الرأسمالية.
لقد سجل ترامب نقطة تمثلت في نقض الثقة الأميركية الكلاسيكية التي كانت من إلهام روزفلت في فترة الركود العظيم. وأصبح النهج القياسي للرئيس قائماً على أساس: "الشيء الوحيد الذي علينا استخدامه هو الخوف نفسه".
وحتى الصورة الملهمة لرونالد ريغان عن أميركا "كمدينة مضيئة على تل"، والمستقاة من جون ويثروب، ليست آمنة من التسريح من جانب ترامب، البربري الذي انفلت عقاله في أرض الحجيج. وهو يفضل "أميركا الحصن" التي بلا روح فوق ذلك التل.
ينسى ترامب، على نحو مريح للذات، أن "أميركا أولاً" كانت أصلاً منظمة بقيادة الطيار الشهير تشارلز ليندبيرغ، والتي كانت تسترضي أدولف هتلر وانتهى بها المطاف إلى تسريع نشوب الحرب العالمية الثانية. وقد يفضي حظر دخول المسلمين قصير النظر إلى فعل نفس الشيء بتهور على صعيد تجنيد الإرهابيين العازمين على إلحاق الضرر بالولايات المتحدة.
كان روزفيلت قد قال "إن الرئاسة هي قبل كل شيء مكان لتفوق القيادة الأخلاقية". ولكن، لا تتوقعوا أي شيء من هذا القبيل من ترامب. فالمنصب لا يغير كنه شاغله، وإنما يعمق صفات شخصيته الموجودة فيه طوال الوقت. وكان المؤرخ لويس فيشر قد وصف المهاتما غاندي ذات مرة بأنه رجل "بلا قوة، وإنما بالكثير من السلطة".
لكن لدى ترامب قوة كبيرة، وإنما بلا سلطة أخلاقية مُسبقاً، وهي وصفة للشقاق المجتمعي والإفراد الرئاسي، والاضطراب الشديد في قادم الأيام لأميركا والعالم.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Donald Trump Our “America First” President, Is Profoundly Un-American

التعليق