د.باسم الطويسي

يسار المجتمع الجديد

تم نشره في الاثنين 6 شباط / فبراير 2017. 12:06 صباحاً

يرى البعض، بالنظرة الأولى، أن الساحات الثقافية العربية تعج بأدبيات اجتماعية وسياسية وفكرية غنية وهائلة. ثم ندرك، بالنظرة الأخرى، أن هذه الفعالية هي ميدان أساسي للسجال الأكثر حدة الذي يتخذ صورة الصراع الحاد بين تيار التغيير وتيار المحافظة. بيد أن هذا الصراع الذي يكاد يشق المجتمع العربي إلى فريقين لا لقاء بينهما، يتحول تدريجيا إلى صراع بين تيارات فرعية داخل القوى المحافظة نفسها، بتعبيراتها السياسية والاجتماعية والدينية، بينما قوى التغيير الحقيقية تتقهقر أو نكتشف أنها غير موجودة بالفعل.
الرحلة من الحنين إلى اليسار إلى الحنين إلى السماء تُختصر في بحث المجتمعات العربية، على مدى نحو قرنين، عن فكرتي العدالة والحداثة. والصدمة التي طالما واجهت الأجيال في العقود الثلاثة الماضية هي أنه لا اليسار ولا التيار الديني قادا إلى العدالة الاجتماعية والحداثة. وقد لا يختلف التدين السياسي في بعض طقوسه ورمزيته وحتى مشروعه للحياة، عن التدين الأيديولوجي؛ فالنسخة العربية من اليسار قادت إلى تبرير الطغيان وإعادة إنتاج الاستبداد وإضفاء القداسة على المستبدين وتبرير الفساد، فيما تلاشت أحلام العدالة الاجتماعية وتبخرت وعود تحديث المجتمع والدولة على أبواب السجون والانقلابات.
النسخة المقابلة المتمثلة بالتدين السياسي، لا تختلف كثيرا. فهذه الخبرة حاولت على مدى أكثر من أربعة عقود أن تبحث عن مرجعية دينية إسلامية للتغيير، تنسحب على تحديث الدولة والمؤسسات وتحديث الاقتصاد والمجتمع، حيث لا شيء على الأرض، بل كل المرجعيات دينية؛ فوصلت هذه الخبرة في السنوات الخمس الأخيرة إلى أبعد نقطة عن العدالة الاجتماعية والحداثة، وسط أكبر عرض للموت والدماء والخوف شهدته المجتمعات العربية منذ قرون طويلة. في هذا الوقت، حاولت كل من الخبرة اليسارية والدينية ركوب الديمقراطية، واقتربت من أنماط وممارسات ليبرالية أقرب إلى الانتهازية، واتكأت على دعاية ديمقراطية بألوان متعددة.
سيبقى تحفيز قوى التغيير داخل المجتمع هو عامل الحسم الذي يوفر الشروط الموضوعية وإمكانية التأثير وفرصة الفعل على الأرض. فقد أثبتت التحولات العربية التي قادها الشارع أن المجتمعات العربية أكثر يمينية مما كنا نتصور، وهي اليوم مجتمعات محافظة أكثر من أي وقت سبق، حتى وهي تبحث عن التغيير. فقد أضاع العرب فرص تحقيق الديمقراطية وبناء مجتمعات حديثة مرتين: الأولى، أثناء كفاح الأقطار العربية من أجل استقلالها؛ حينما أعطيت الأولوية لقضية الاستقلال. والثانية، بعد الاستقلال مباشرة؛ وكان تأجيلها بسبب إعطاء الأولوية لبناء الاستقلال. وفي كل المرات غاب الحل أو المدخل الثقافي القائم على التغيير من الداخل.
أدخلت الصدمة التي ولدتها حركة الاستعمار في الذهن العام فكرة خاطئة عن غاية الدولة ووظيفتها التاريخية، حينما حصرت هدفها الأساسي في الأمن الهش وفي انضباط الناس خلفها، متجاهلة أن وظيفة الدولة الكبرى اليوم هي وظيفة ثقافية بامتياز؛ أحد ملامحها مساعدة الجماعات التي تنطوي تحت لوائها على الاندماج في الوتيرة الراهنة للتطور الحضاري. والقصد من ذلك القول إن الفكر والممارسة السياسيين العربيين المعاصرين غاب عنهما إدراك أن الدولة لا تستطيع أن تكون منتجة ومنجزة ما لم تحظ بشرعية تاريخية مستقرة. وليس لهذه الشرعية من مصدر آخر إلا قدرتها على إشراك رعاياها في نمط حضارة عصرهم.
كيف تحولت النظم السياسية والنخب التقليدية في لحظة لكي تبدو وكأنها يسار المجتمع الجديد؟ أي إنها هي من يطالب بالتغيير بعد عقود طويلة من مقاومة التغيير والتصدي له. هذه القوى التي تركب موجة خطابات التغيير بالطول والعرض، تمارس في الوقت نفسه دور سادنة السماء وحامية خطاب الاتباع، بمعنى أننا نمارس حالة خداع جديدة بعيدا عن بؤرة الارتكاز التي تكمن في الحلول الثقافية-السياسية العميقة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أحسنت (منذر الشرع)

    الاثنين 6 شباط / فبراير 2017.
    أحسنت دكتور باسل في هذا التحليل الذي يبين كيف أضاعت الأمة فرصاً عديدة لتلحق بركب العالم الذي لا ينتظر الكسالى. بين اليسار واليمين أضاعت الأمة البوصلة، والصراع قديم ولا يتقصر على عقود مضت، بل يمتد عودة إلى قرون خلت. تحية.