جميل النمري

خطة الحكومة لتوفير المال (2)

تم نشره في الاثنين 6 شباط / فبراير 2017. 12:08 صباحاً

تخفيض الإنفاق الحكومي من جهة، ورفع الأسعار من جهة أخرى، هما وصفة للانكماش الاقتصادي. والانكماش يؤدي لاحقا إلى تخفيض إيرادات الخزينة، لنعود إلى المربع الأول! فهل هناك وصفة بديلة؟!
الواقع أن الجميع يسارع إلى طرح وصفات بديلة. وكنت أبحث على الإنترنت فأجد مع كل موجة رفع أسعار جهات عدة؛ نواب وأحزاب وكتاب وخبراء، يقدمون بدائل مفصلة لرفع الأسعار. لكن الحكومات تفعل دائما الشيء نفسه، لأنها لا ترى حلا فعليا بديلا لرفع الإيرادات.
الحكومة تضطر إلى رفع الأسعار. لكن الاعتماد على رفع الأسعار فقط هو سياسة قاصرة، قد تعطي نتائج مالية مباشرة لرفع إيرادات الخزينة وسد العجز، لكنها نتائج مؤقتة ولا تخدم الاقتصاد والتنمية. إن سياسة الحكومة تتجه لزيادة حصتها من المال المخصص للاستهلاك بيد المواطنين؛ استهلاك السلع والخدمات. والتحول المطلوب هو التوجه إلى فائض المال الموجود في المجتمع بصيغ مختلفة لدى الأفراد والمؤسسات، والذي يمكن التعامل معه بصيغتين؛ إما بالجباية المباشرة لصالح الخزينة، من خلال ضريبة الدخل والأرباح، أو بالمساهمة الإلزامية بنسب معينة في صندوق للاستثمار. ويتضمن هذا التوجه التوسع بالضريبة لتشمل الأرباح من التجارة بالأصول الرأسمالية، وأيضا (لم لا؟) ضريبة على الثروة. ويمكن اعتبار الإجراء الأخير استثنائيا ومرتبا بصورة دقيقة، لتوجيه جزء من ثروة المجتمع للاستخدام في دعم الاستثمار، خصوصا في المشاريع الكبرى التي تحتاج إلى مليارات الدنانير، من خلال صندوق يدار بصورة مشتركة من الحكومة والقطاع الخاص.
سندافع عن الفكرة الأساسية المطروحة، وهي البحث عن الإيرادات من المال الموجود أو الذي سيذهب إلى التوفير وليس إلى الاستهلاك. وهذا يعني التوجه إلى الضرائب والرسوم التي تفرض على الدخول والأرباح والموجودات الرأسمالية، بدل التوسع في الرسوم والضرائب التي تفرض على السلع والخدمات. فالأخيرة قد تحقق زيادة طفيفة في إيرادات الحكومة، لكنها عند حد معين تؤدي إلى تخفيض الاستهلاك، خصوصا عند الأغلبية الساحقة من المستهلكين من ذوي الدخل المتدني أو المتوسط؛ وخفض الاستهلاك بشكل عام يحبط النمو والاستثمار، ويؤدي برأس المال إلى الاستنكاف، وبالمحصلة تراجع الاقتصاد.
إن الأردن الذي شهد تحولا شاملا إلى الاقتصاد الحر، وتوسعا كبيرا في الثروة بيد القطاع الخاص، وتزايد الفجوة الاجتماعية، لم يشهد تطويرا في القوانين ولا في أداء الجهاز الحكومي بما يتناسب مع الحقائق الجديدة، رغم كثرة القوانين التي جاءت أو تعدلت خصيصا لتشجيع القطاع الخاص والاستثمار. لذلك، وبعد موجة ازدهار قصيرة، عدنا نتعثر، بينما رأينا بلدانا أخرى تتقدم باطراد، وتتجاوزنا بمراحل كبيرة.
إن التعامل مع الثروة في ثقافة المجتمع والأفراد والدولة، لا يتم بالطريقة الصحيحة، بل إن التخلف هو سيد الموقف. وفي أرقى الدول الرأسمالية، يدفع رأس المال الخاص حصة أكبر كثيرا مما نفعل، لكن الدولة تتواضع أمامه وتيسّر أموره وتضع نفسها في خدمته لينجح ويتقدم. أما عندنا، فنعيش تناقضات غريبة موجودة عند كل طرف، تجعل من الثروة نقمة وليس نعمة، ويستمر القطاع الخاص في التذمر من السياسات الحكومية، ونموه في الحقيقة بالإنشاء والشعارات المنمقة فقط.
الحكومة تقول إن أكثر من ثلاثة مليارات دينار تضيع على الخزينة بفعل الإعفاءات في قانون الضريبة وبفعل التهرب الضريبي وسوء الإدارة. لكن العجيب أنها لا تنوي الالتزام بخطة حقيقية لتحصيل هذا المال، بل تذهب فقط إلى مزيد من الرسوم والضرائب. وهذا التوسع الأفقي يكون على حساب المستهلكين العاديين، بينما يستمر ويتوسع التهرب الضريبي الذي لا يمكن مواجهته إلا بتوافر إرادة سياسية حازمة تترجم بإصلاح تشريعي لقوانين الضريبة، إلى جانب إصلاحات جوهرية شاملة في الإدارة.

التعليق